الميثاق نيوز- متابعة خاصة- عدن/واشنطن/لندن
– يمر أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر بمنعطف هو الأخطر منذ عقود، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية الكبرى مع التهديدات المباشرة التي تطلقها ميليشيا الحوثي، مما أوجد حالة من الإجماع الدولي النادر الذي يضع هذه الميليشيا ومن ورائها طهران أمام مأزق استراتيجي قد ينهي سنوات من "المناورات السياسية" غير المجدية.
بدأت الأزمة الأخيرة عندما حاولت ميليشيا الحوثي تنفيذ "مناورة تمويه" سياسية، عبر تصوير تصعيدها الأخير في البحر الأحمر كحظر بحري يستهدف السفن والمصالح السعودية حصراً.
كانت الحسابات الحوثية تراهن على أن حصر التهديد في الرياض سيحول دون تشكل موقف دولي موحد، وسيبقي الصراع في إطار "ثنائي" أو إقليمي محدود.
غير أن هذه الحسابات اصطدمت بحقيقة أن سلامة الملاحة السعودية لا تخص الرياض وحدها، بل هي ركن أصيل في معادلة أمن الطاقة والتجارة العالمية.
وسرعان ما تشكل موقف إقليمي ودولي متناغم تعامل مع التهديد باعتباره اعتداءً صارخاً على الممرات المائية الدولية، مما أدى إلى فرض طوق رادع لا يمنح الميليشيا أي هامش للمناورة.
واشنطن وإسلام آباد: لغة الردع العسكري المباشر
لم تتأخر الرسائل الدولية الحازمة؛ فمن واشنطن، أكد الرئيس دونالد ترامب استعداد الولايات المتحدة الكامل للتعامل مع أي اعتداء يستهدف السفن أو يهدد حركة المرور في البحر الأحمر، مشدداً على أن الرد الأمريكي سيتناسب مع حجم التهديد.
وعزز وزير الخارجية ماركو روبيو هذا الموقف، مؤكداً التزام بلاده بحماية الممرات المائية الدولية والحفاظ على أمنها، مع مراقبة وثيقة لكل تحركات الميليشيا.
لكن المفاجأة الأكبر في نبرة الردع جاءت من إسلام آباد، حيث حمل الموقف الباكستاني لهجة هي "الأشد صرامة"، مهدداً باستخدام القوة في حال تعرضت السفن أو المصالح البحرية الباكستانية لأي استهداف حوثي.
ويرى خبراء أن هذا الموقف ينبع من اتفاقيات الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية، واعتبار أي اعتداء في باب المندب تهديداً مباشراً للأمن القومي الباكستاني.
كما دخلت لندن على خط المواجهة بإصدار بيان يؤيد الإجراءات السعودية لحماية الممرات المائية من المحاولات الحوثية التي تُحركها أصابع إيرانية.
من حرب أهلية إلى تهديد وجودي للمصالح الكبرى
يوضح الباحث والمحلل السياسي عبد الستار الشميري أن الرؤية الدولية تجاه الجماعة الحوثية شهدت تحولاً جذرياً.
فمنذ عام 2016، كان المجتمع الدولي، وبدفع من الإدارة الأمريكية السابقة (عهد جون كيري)، ينظر إلى القضية اليمنية كـ "مشكلة داخلية" أو "حرب أهلية" يمكن احتواؤها عبر الحوار والضغط على التحالف العربي.
هذا "الدلال" الدولي للميليشيا انتهى عندما وصل الخطر إلى "البيت" والسفن التجارية العالمية.
ويشير الشميري إلى أن العالم أدرك متأخراً أن إعطاء "الأحمق حبلاً ليشنق نفسه" قد أدى لاستعداء الميليشيا لشعبها ومحيطها وصولاً إلى تهديد مصالح الدول الكبرى.
اليوم، تُبنى الاستراتيجيات الدولية في اليمن على مبدأ "المكاسب والخسائر" التجارية، وهو ما جعل لحظة الحقيقة تفرض نفسها على الجميع.
آ لماذا يصعب على الحوثي إغلاق باب المندب؟
رغم التهديدات الحوثية بإغلاق مضيق باب المندب، إلا أن المعطيات العسكرية على الأرض تظهر فجوة كبيرة بين الخطاب والقدرة.
فمضيق باب المندب محاط بتسع قواعد عسكرية دولية في الجانبين اليمني والجيبوتي، وتتواجد في المنطقة قطع بحرية لـ 36 دولة.
وبالمقارنة مع مضيق هرمز، يفتقر الحوثيون للقدرات العسكرية التي تمتلكها إيران، كما أن المسافة بين أقرب نقطة تمركز حوثية والمضيق تتجاوز 100 كيلومتر.
ويرى الشميري أن أقصى ما يمكن للميليشيا فعله هو "الشوشرة" أو استهداف سفن معزولة لرفع كلفة التأمين، لكن فكرة الإغلاق الكلي عسكرياً غير واقعية في ظل التواجد الأمريكي والأوروبي والسعودي المكثف.
إيران والهروب من هرمز إلى البحر الأحمر
يشير الصحفي محمد الصعر إلى أن التحرك الحوثي جاء بإيعاز إيراني واضح لفتح جبهة جديدة وتخفيف الضغط عن طهران، خاصة بعد تراجع قدرة إيران على السيطرة الكاملة على مضيق هرمز تحت الضغط الأمريكي.
وتسعى طهران لاستخدام الحوثيين كـ "قوس بحري" للابتزاز الدولي.
ويصف الصعر الميليشيا الحوثية بأنها "ميليشيات غبية" تقامر بمستقبل اليمن السياسي لخدمة الأجندة الإيرانية.
معتبراً أن أي إقدام فعلي على تنفيذ التهديدات سيمثل "انتحاراً عسكرياً" وسقوطاً لآخر أوراق التوت التي كان المجتمع الدولي يتغطى بها لتبرير الحوار معهم.
تتجه الأنظار إلى التبعات الاقتصادية لأي تصعيد؛ حيث يُتوقع أن تقفز أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل حال وقوع هجمات واسعة.
وهنا تبرز مفارقة اقتصادية؛ فبينما قد تستفيد الشركات الأمريكية والمنتجون الكبار من ارتفاع الأسعار، تظل الصين هي المتضرر الأكبر، حيث تمر صادرات وواردات صينية بقيمة 320 مليار دولار سنوياً عبر البحر الأحمر.
هذا الضرر الاقتصادي قد يدفع بكين لممارسة ضغوط جدية على طهران لكبح جماح الحوثيين، لأن الصين لا تحتمل انقطاع سلاسل الإمداد.
وفي المقابل، يشير المحللون إلى أن "اقتصاد الحرب" قد ينعش المجمعات الصناعية العسكرية الكبرى التي قد تكسب تريليونات الدولارات من بيع الأنظمة الدفاعية لدول المنطقة.
الخيار العسكري: هل اقتربت معركة التحرير الوطني؟
مع وصول الحلول السياسية إلى طريق مسدود، يبرز الخيار العسكري كحل وحيد متبقٍ.
ويؤكد الصعر وجود "ضوء أخضر" دولي يتبلور لدعم تحرك القوات الشرعية التي يقدر قوامها بـ 440 ألف مقاتل.
ويرى أن المطلوب الآن هو تكامل ثلاث قوى: الغطاء الجوي السعودي والدعم المالي، زحف قوات الشرعية برياً، ومساندة المعلومات والغطاء الجوي الأمريكي.
الهدف الاستراتيجي من هذا التحرك هو تجريد الحوثي من "شريانه الحيوي"، وهو الشريط الساحلي الممتد لنحو 500 كيلومتر، بما في ذلك الحديدة.
حرمان الميليشيا من البحر يعني تحويلها إلى جماعة برية معزولة يسهل التعامل معها لاحقاً في المناطق الجبلية.
آ يقف العالم اليوم أمام موقف موحد يعتبر أمن الملاحة "خطاً أحمر".
وبينما يحذر البعض من التردد التاريخي للقوات الشرعية أو المناورات السياسية الحوثية المعتادة لامتصاص الحماس، إلا أن الإجماع الدولي الراهن يشير إلى أننا أمام "نهاية حقيقية لهذا البعبع".
إن لحظة الحقيقة في البحر الأحمر لن تعيد رسم خارطة اليمن فحسب، بل ستحدد قواعد الاشتباك العالمي مع وكلاء إيران في المنطقة لسنوات قادمة
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news