آ
الميثاق نيوز، تقرير خاص،
في عز صيف 1978، كان كرسي الحكم في صنعاء منصة للإعدام ينتظر ضحيته الرابعة، لكن ضابطاً شاباً قرر أن يواجه فوهة البندقية بورقة اقتراع، ليكتب فصلاً غير متوقع في تاريخ الجزيرة العربية.
كانت رائحة البارود لا تزال تفوح من أروقة القصر الجمهوري في صنعاء، والكرسي الرئاسي الذي ابتلع ثلاثة رؤساء في أقل من عام بات يشبه فخاً دموياً يفر منه كبار السياسيين نجاة بأنفسهم.
في تلك الأجواء المشحونة بالرعب الوجودي، حيث كانت الدبابات هي اللغة الوحيدة المفهومة لوراثة الحكم، فوجئ الحرس والمراقبون بضابط شاب يترجل، لا ليقتحم القصر على ظهر مدرعة، بل ليدخل من أوسع أبواب مجلس الشعب التأسيسي.
لم تكن تلك مجرد مراسم لتسليم السلطة في السابع عشر من يوليو 1978، بل كانت مقامرة سياسية جريئة لوقف نزيف الدم، واستبدال شرعية القوة بقوة الشرعية.
لم يكتفِ المقدم علي عبدالله صالح الوافد الجديد الى كرسى الرئاسةآ بترميم جدران القصر، بل شرع في تفكيك الألغام المزروعة في جسد الدولة.
كانت أولى مفاجآته دعوة خصومه الإيديولوجيين، من بعثيين وناصريين وإسلاميين، إلى طاولة حوار وطني عام 1980.
في بلد اعتاد تصفية الحسابات بالرصاص، جلست التيارات المتناحرة لتصيغ "الميثاق الوطني" كعقد اجتماعي جديد، مؤسسين لقاعدة ذهبية مفادها أن الاختلاف لا يجب أن يُحل إلا عبر صناديق الاقتراع.
هذا التحول الجذري حوّل اليمن من ساحة لتصفية الحسابات العابرة للحدود إلى واحة سياسية استقطبت عقول المنطقة.
بلغت هذه الديناميكية ذروتها المجنونة في الثاني والعشرين من مايو 1990.
فبدلاً من أن تفرض الوحدة بحد السيف كما جرت العادة في تاريخ الاندماجات العربية، وُلدت الجمهورية اليمنية الجديدة من رحم التعددية.
انهارت جدران الحزب الواحد في الشطرين، وفتحت الأبواب مشرعة أمام صحف المعارضة، وأصبح المواطن شريكاً في صنع القرار لا مجرد رعية تنتظر التوجيهات.
ولم تتوقف الورشة عند المركز، بل امتدت إلى القرى النائية عبر نظام السلطة المحلية، ليصبح لكل قرية ومدينة حق إدارة شؤونها بعيداً عن بيروقراطية العاصمة.
لكن المشهد الأكثر إثارة للدهشة في تاريخ المنطقة حدث عندما تقرر أن يكون الشعب هو من يوقع على عقد الرئاسة.
في عام 1999، ثم في المعركة الانتخابية الشرسة عام 2006، اصطف الملايين ليغمسوا أصابعهم في الحبر، مانحين تفويضاً بنسب تجاوزت السبعين بالمئة في مشهد أذهل المراقبين الدوليين بشفافيته.
كان حبر الإصبع هو السلاح الذي حصّن الهوية اليمنية من تجريف الخرافات، ورسخ مبدأ أن القيادة ليست منصباً يُورث، بل هي فن هندسة التوافقات اليومية.
واليوم، بينما ترزح البلاد تحت وطأة كهوف تعودت على ادعاء "الحق الإلهي" ومصادرة الإرادة، يكتشف اليمنيون أن تلك الصناديق الخشبية لم تكن مجرد أدوات انتخاب، بل كانت السد المنيع الذي حمى جمهوريتهم.
وفي كل صباح جديد،آ يظل السابع عشر من يوليو يلاحق أولئك الذين يحملون البنادق، مذكراً إياهم بأن الحلم الذي بدأ بورقة اقتراع، سيبقى المخرج الوحيد والشرعي الذي لا يموت.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news