لم يكن التشييع المهيب الذي شهدته مدينة تريم بمحافظة حضرموت للشيخ العلامة المفتي علي بن سالم سعيد بكير باغيثان مجرد وداع لعالم دين بارز، بل كان مناسبة كشفت حجم الحضور الذي صنعه الرجل في الحياة اليمنية على مدى عقود، وحجم التأثير الذي تركه في مجالات تجاوزت حدود التعليم والإفتاء إلى ميادين الفكر والإصلاح والعمل الوطني والسياسي.
فقد توافدت إلى تريم حشود كبيرة من مختلف المحافظات اليمنية للمشاركة في تشييع الفقيد، يتقدمهم مسؤولون حكوميون وقيادات سياسية وحزبية وعلماء وشخصيات اجتماعية وأكاديمية وجموع من المواطنين الذين عرفوا الشيخ عن قرب أو تأثروا بعلمه ومواقفه. وكان ذلك المشهد انعكاساً طبيعياً لمسيرة رجل جمع بين صفات العالم الرباني والمصلح الاجتماعي والفاعل الوطني.
عالم نشأ في بيت علم وصنع مدرسة خاصة في التأثير
وُلد الشيخ علي بن سالم بكير باغيثان بمدينة تريم عام 1941م، ونشأ في بيت علم وفضل، حيث تتلمذ على يد والده العلامة المفتي سالم بن سعيد بكير، أحد أبرز علماء حضرموت في القرن الماضي. ومنذ سنواته الأولى أظهر نبوغاً علمياً لافتاً أهّله ليصبح لاحقاً واحداً من أبرز المراجع الشرعية في اليمن.
غير أن أهمية الشيخ علي لم تكن في غزارة علمه الشرعي فحسب، بل في قدرته على توظيف هذا العلم لخدمة المجتمع وقضاياه. فقد عرفه الناس مفتياً ومعلماً وخطيباً وباحثاً ومؤلفاً، كما عرفوه سياسياً محنكاً ومصلحاً اجتماعياً يتدخل لحل النزاعات، وخبيراً في علم الفرائض، ومرجعاً يقصده الناس في قضاياهم ومشكلاتهم اليومية.
نموذج لعالم تجاوز الدور التقليدي
عند الحديث عن الشيخ علي بكير، تبرز قضية مهمة في تطور الحياة الفكرية والسياسية اليمنية خلال العقود الماضية، وهي انتقال عدد من العلماء من الدور التقليدي المحصور في الفتوى والتعليم إلى المشاركة الفاعلة في قضايا المجتمع والشأن العام.
ويمثل الشيخ علي أحد أبرز النماذج التي جسدت هذا التحول، إذ لم ينظر إلى العالم الشرعي بوصفه معزولاً عن واقع الناس، بل رأى أن من واجبه الإسهام في معالجة مشكلات المجتمع والدفاع عن مصالح المواطنين ومتابعة القضايا العامة، إلى جانب دوره العلمي والدعوي.
وقد أسهم هذا النموذج في تعزيز خطاب الاعتدال والوسطية داخل المجتمع اليمني، وربط الدين بقضايا التنمية والإصلاح والعدالة الاجتماعية، بعيداً عن مسارات التعصب والانغلاق والطائفية التي عصفت بعدد من المجتمعات في المنطقة.
الإصلاح ومدرسة العالم المشارك في الشأن العام
يصعب قراءة تجربة الشيخ علي بكير بعيداً عن المدرسة الفكرية والتنظيمية التي انتمى إليها، والمتمثلة في التجمع اليمني للإصلاح، الذي برز خلال العقود الماضية بوصفه أحد أبرز الأطر التي دفعت بعدد من العلماء والدعاة إلى الحضور في المجال العام والمشاركة في القضايا الوطنية.
فمن خلال هذه المدرسة برزت شخصيات علمية مؤثرة، مثل القاضي محمد بن إسماعيل العمراني، والشيخ عبد الرحمن قحطان، والشيخ داود عبد الملك، وغيرهم من العلماء الذين جمعوا بين المرجعية الشرعية والانخراط في قضايا المجتمع والدولة.
وفي هذا السياق، شكّل الشيخ علي بكير نموذجاً متقدماً للعالم الذي لم يكتفِ بتدريس الأحكام الفردية، بل تحدث عن الواجبات العامة، وحقوق الناس، والإصلاح السياسي، وقضايا الأمة، وشارك في بناء الوعي المجتمعي تجاه مختلف التحديات الوطنية.
حضور سياسي من بوابة المسؤولية الوطنية
شغل الشيخ الراحل عضوية مجلس الشورى اليمني، وعضوية مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح، كما خاض تجربة الترشح لعضوية مجلس النواب في دورتين انتخابيتين.
لكن حضوره السياسي لم يكن قائماً على البحث عن المناصب أو المكاسب، بقدر ما كان امتداداً طبيعياً لرؤيته الإصلاحية. فقد ظل قريباً من هموم المواطنين، حريصاً على إيصال أصواتهم إلى المسؤولين، ومتابعة قضاياهم لدى الجهات المختصة، مستفيداً من مكانته العلمية والاجتماعية الواسعة.
وعُرف عنه جرأته في قول كلمة الحق، ومواقفه الواضحة تجاه كثير من القضايا الوطنية، إلى جانب اهتمامه بالشأن العربي والإسلامي، وفي مقدمته القضية الفلسطينية، التي ظل يعتبرها القضية المركزية للأمة.
رفيق درب فيصل بن شملان
ومن المحطات اللافتة في مسيرة الشيخ علي بكير علاقته الوطيدة بالمهندس الراحل فيصل بن شملان، أحد أبرز الشخصيات الوطنية اليمنية في العقود الأخيرة. فقد جمع الرجلين مشروع إصلاحي قائم على النزاهة والإصلاح ومكافحة الفساد وخدمة الناس.
ولذلك رأى كثيرون في رحيل الشيخ علي امتداداً لرحيل جيل كامل من الشخصيات الوطنية التي لعبت أدواراً مؤثرة في الحياة العامة، وقدمت نموذجاً للعمل العام القائم على القيم والمبادئ أكثر من المصالح والمكاسب.
إرث يتجاوز حدود المكان والزمان
برحيل الشيخ العلامة المفتي علي بن سالم بكير باغيثان، تخسر اليمن أحد أبرز علمائها ومصلحيها الاجتماعيين، لكنها تحتفظ بإرث كبير من العلم والفكر والتربية والإصلاح والدعوة والفتوى.
لقد ترك الرجل خلفه آلاف التلاميذ والمحبين، وعشرات السنين من العطاء في ميادين الدعوة والتعليم والإصلاح والعمل الوطني، كما ترك نموذجاً جديراً بالتأمل لعالم دين لم يحصر نفسه داخل أسوار الفتوى، بل جعل من العلم وسيلة لخدمة الناس، ومن المكانة العلمية منصة للدفاع عن قضايا المجتمع والأمة.
وربما لهذا السبب لم يكن مشهد الوداع الكبير في تريم مجرد جنازة لعالم راحل، بل كان شهادة شعبية على حياة حافلة بالعطاء، وعلى أثر إنساني وفكري سيبقى حاضراً في ذاكرة اليمنيين لسنوات طويلة قادمة.
من محراب الفتوى إلى فضاء الشأن العام.. كيف جسّد الشيخ علي بكير باغيثان نموذج العالم المشارك في صناعة الوعي الوطني؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news