يكشف مضمون الأخبار والمنشورات المتداولة والبيانات الرسمية وشبه الرسمية خلال الأيام الماضية عن تحول واضح في طبيعة الحديث عن الوضع العسكري في اليمن. فبعد أن تركزت التغطية على التصعيد بين الحوثيين والسعودية، والطائرة الإيرانية، ومطاري صنعاء وأبها، بدأت مفردات الجبهات البرية تعود بقوة إلى واجهة الأخبار: تعزيزات، تحشيد، إعادة تموضع، تحصينات، خطوط تماس، غرف عمليات ورفع الجاهزية. ويتزامن هذا التحول مع تصعيد عسكري مباشر أنهى سنوات من الهدوء النسبي على الجبهة السعودية–الحوثية.
أكثر المناطق حضورًا في مضمون ما يُنشر هي الجوف ومأرب وشمال عمران، وتحديدًا حرف سفيان وحوث وخمر. ورغم تعدد الصفحات والحسابات والمواقع التي تداولت أخبار هذه التحركات، فإن جزءًا من التفاصيل يبدو معاد التدوير من روايات متقاربة؛ ولذلك فإن كثافة النشر لا تعني بالضرورة تعدد مصادر المعلومات. ومع ذلك، فإن تكرار أسماء المناطق نفسها، وربطها بالتحصينات وإعادة الانتشار، يصنع اتجاهًا عامًا لا يمكن تجاهله.
الجوف تبدو مركز الثقل في هذا المشهد. مضمون ما يُنشر عنها لا يتحدث حتى الآن عن معركة
أو تغير في خطوط السيطرة، بقدر ما يركز على تعزيز المواقع، والتحركات في المناطق الصحراوية، والاستطلاع، ورفع الجاهزية. كما أن التوتر القبلي في الريان أضاف عاملًا جديدًا إلى الحسابات العسكرية، بعد تجمع حشود قبلية كبيرة وتصاعد الاحتكاك مع الحوثيين.
ومن خلال مضمون المواد المتداولة، يبدو أن الحوثيين يتعاملون مع الجوف باعتبارها منطقة خطر مزدوج: خطر عسكري مرتبط بقربها من مأرب وصنعاء وخطوط التماس مع القوات الحكومية، وخطر داخلي مرتبط بالحشد القبلي واتساع دائرة التوتر. ولهذا تتكرر في الأخبار مفردات «التحصين» و«تأمين الطرق الصحراوية» و«الاستطلاع» ».
أما حرف سفيان وشمال عمران، فتظهر في مضمون النشر بوصفها منطقة خلفية للحشد والربط أكثر من كونها جبهة قتال مستقلة. فالروايات المتداولة تربط التحركات في سفيان وحوث وخمر بالاتجاه نحو الجوف، وهو ما يعطي انطباعًا بأن هذه المناطق تؤدي وظيفة العمق الخلفي للتحركات الحوثية باتجاه الشمال الشرقي.
في مأرب، تبدو الصورة أكثر غموضًا وحساسية. فالمضمون المنشور يتحدث عن تحصين خطوط التماس الممتدة من الجوف إلى مأرب وإعادة ترتيب بعض المواقع، بينما بدأت حسابات وقنوات قريبة من إيران والحوثيين تتحدث في الاتجاه المقابل عن تحركات لقوات موالية للحكومة نحو مأرب.
وهنا تظهر واحدة من أهم نتائج تحليل المضمون: كل طرف أو بيئة إعلامية بدأت تقدم الطرف الآخر باعتباره من يتحرك أولًا.
الإعلام المناوئ للحوثيين يركز على التعزيزات الحوثية والتحصينات وإعادة الانتشار حول الجوف ومأرب. وفي المقابل، تبرز في الإعلام القريب من إيران رواية عن قوات مدعومة من السعودية تتحرك باتجاه مأرب والاستعداد لمواجهة قريبة.
هذه الرواية المتبادلة مهمة؛ لأنها تعكس انتقال الخطاب من مرحلة «التهديد بالرد» إلى مرحلة «الخصم يحشد». وفي الأزمات العسكرية، لا يعني ذلك بالضرورة أن الحرب ستبدأ فورًا، لكنه يشكل بيئة إعلامية وسياسية تسمح لكل طرف بتقديم تحركاته باعتبارها دفاعية أو استباقية.
وفي الساحل الغربي تختلف الصورة. فهناك لم يبق الأمر في حدود الحديث عن تحركات أو تعزيزات؛ إذ شهدت المنطقة مواجهات فعلية وهجومًا على مواقع القوات الحكومية باستخدام قذائف ومسيّرات ونيران قنص، وسقوط قتلى وجرحى. ولذلك يظهر الساحل في مضمون التغطية بوصفه الدليل العملي على أن خطوط التماس قابلة للاشتعال مجددًا.
كما تظهر في مواد أخرى إشارات إلى نهم والبيضاء ومناطق شمالية أخرى، لكن حجم المعلومات المستقلة عنها أقل من الجوف ومأرب. لذلك يصعب الحديث عن فتح جبهات جديدة في هذه المناطق، والأقرب أن ما يُنشر عنها يدخل ضمن صورة أوسع لإعادة الانتشار ورفع الجاهزية.
في المقابل، يظهر الخطاب الحكومي العسكري أكثر تحفظًا في تحديد اتجاه التحرك. فالمفردات المتكررة هي رفع الجاهزية، التنسيق، الاستعداد، غرف العمليات ومواجهة أي تصعيد. ولا يظهر حتى الآن إعلان واضح عن بدء عملية أو تحديد جبهة.
أما الخطاب الحوثي المعلن، فيركز على النفير والجهوزية والتعبئة والاستعداد للرد، بينما لا يقدم تفاصيل واضحة عن اتجاه حركة القوات أو طبيعة إعادة الانتشار. وهذا يعني أن المعلومات الأكثر تفصيلًا عن التحركات الحوثية تأتي غالبًا من البيئة الإعلامية المناوئة للجماعة، وليس من بياناتها العسكرية.
تحليل مضمون ما يُنشر لا يقدم دليلًا حاسمًا على أن حربًا برية شاملة قد بدأت، لكنه يكشف بوضوح أن المشهد تجاوز مرحلة التهديدات السياسية وحدها.
هناك إعادة تموضع ورفع جاهزية واحتياط عسكري متبادل. ويبدو القوس الممتد من حرف سفيان إلى الجوف ثم مأرب الأكثر حضورًا في المعلومات المتداولة، فيما يمثل الساحل الغربي الجبهة التي انتقلت بالفعل من التحشيد إلى المواجهة.
والأهم أن مضمون النشر لدى الطرفين بدأ يبني رواية واحدة بصيغتين متعاكستين: «الطرف الآخر يحشد ويستعد للحرب».
وهذا ربما يكون أخطر ما في المشهد الحالي؛ لأن التحركات العسكرية، حتى وإن كانت احترازية في بدايتها، تجري الآن في بيئة سياسية وإعلامية ترى المواجهة احتمالًا أقرب مما كانت عليه قبل أسابيع.
وباختصار : ما يُنشر لا يقول إن الحرب بدأت، لكنه يقول إن الجبهات بدأت تتحرك، وإن كل طرف يراقب الآخر ويتصرف على أساس احتمال أن يكون هو من سيبدأ.
#أحمدالشلفي
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news