لم يكن الجدل الذي أثارته محاولة طائرة إيرانية الهبوط في مطار صنعاء خلال يوليو/تموز الجاري مجرد خلاف حول رحلة جوية، بل كشف عن صراع يتجاوز الطيران المدني إلى معركة السيادة على الأجواء اليمنية، وإحدى أكثر أدوات النفوذ الإيراني إثارة للجدل في المنطقة.
فإصرار طهران وجماعة الحوثي على استخدام شركة "ماهان إير"، رغم استعداد الحكومة اليمنية المعترف بها لتأمين الرحلات عبر الناقل الوطني "الخطوط الجوية اليمنية"، أعاد تسليط الضوء على شركة لطالما ارتبط اسمها بالعقوبات الدولية والعمليات اللوجستية للحرس الثوري الإيراني، أكثر من ارتباطها بالنقل الجوي التجاري.
وبدأت الأزمة عندما نقلت طائرة تابعة لـ"ماهان إير" وفداً من مليشيا الحوثي من صنعاء إلى طهران مطلع يوليو/تموز، للمشاركة في مراسم تشييع مسؤول إيراني، قبل أن تحاول العودة إلى اليمن في 13 يوليو/تموز.
واعتبرت الحكومة اليمنية الخطوة انتهاكاً لسيادة البلاد، وأكدت أن أي رحلات دولية من وإلى مطار صنعاء يجب أن تتم عبر القنوات الرسمية وبإشراف السلطات الشرعية.
وتصاعد التوتر بعد استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع الطائرة من الهبوط، ما أجبرها على تغيير مسارها إلى مطار الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، في حادثة دفعت الملف إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، وأعادت فتح النقاش حول من يمتلك حق إدارة المجال الجوي اليمني.
لماذا تصر إيران على "ماهان إير"؟
يثير إصرار طهران على استخدام "ماهان إير" تساؤلات عدة، خاصة أن إيران تمتلك أكثر من عشرين شركة طيران، بينها الناقل الوطني الرسمي "إيران إير".
ويرى مراقبون أن الاختيار لا يتعلق بقدرات الشركة التشغيلية، بل بطبيعة الدور الذي تؤديه منذ سنوات، إذ تحولت إلى إحدى الأدوات اللوجستية المرتبطة بسياسات إيران الإقليمية.
فبحسب تقارير دولية، لعبت "ماهان إير" دوراً محورياً في نقل الأفراد والمعدات إلى مناطق نفوذ إيران في الشرق الأوسط، وهو ما جعلها هدفاً لعقوبات أمريكية وأوروبية متتالية.
كما أن استخدام الشركة في اليمن يمنح طهران فرصة لفرض مسار جوي مستقل عن مؤسسات الدولة اليمنية، بما يكرس واقعاً سياسياً جديداً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
حضور قديم في اليمن
ليست هذه المرة الأولى التي يظهر فيها اسم "ماهان إير" في الملف اليمني، ففي فبراير/شباط 2015، وبعد أشهر من سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وقعت سلطات الطيران التابعة للجماعة اتفاقاً مع إيران لتسيير 28 رحلة أسبوعياً بين صنعاء وطهران، وفق تقرير نشره موقع "المصدر أونلاين".
وبعد يومين فقط من توقيع الاتفاق، هبطت أولى طائرات الشركة في مطار صنعاء، معلنة افتتاح أول جسر جوي مباشر بين البلدين، قبل أن تتوقف الرحلات مع انطلاق عمليات التحالف العربي وإغلاق المجال الجوي اليمني.
ومنذ ذلك الحين، ظل اسم الشركة حاضراً في كل نقاش يتعلق بإعادة تشغيل الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران.
وتأسست "ماهان إير" عام 1991 في مدينة كرمان الإيرانية، كأول شركة طيران خاصة بعد الثورة الإسلامية، لكن مسارها تغير تدريجياً، إذ اتهمتها وزارة الخزانة الأمريكية عام 2011 بوضع طائراتها وخدماتها تحت تصرف "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، لنقل الأفراد والأسلحة والمعدات إلى مناطق الصراع.
ولم تقتصر العقوبات على الشركة، بل شملت رئيس مجلس إدارتها وشبكات وسطاء اتُّهموا بالمساعدة في الالتفاف على العقوبات الدولية للحصول على الطائرات وقطع الغيار.
وخلال سنوات الحرب السورية، أصبحت طائرات "ماهان إير" جزءاً أساسياً من الجسر الجوي الذي اعتمدت عليه طهران لدعم نظام بشار الأسد، كما ارتبط اسمها بعمليات نقل إلى العراق ولبنان.
وفي عام 2020، أشارت تقارير دولية إلى استخدام طائرات الشركة في نقل شحنات من الذهب الفنزويلي إلى إيران مقابل تعاون في قطاع الطاقة.
أما في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ففرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة عليها، متهماً إياها بالمشاركة في نقل صواريخ باليستية وطائرات مسيرة إلى روسيا، بعد سنوات من سحب عدد من الدول الأوروبية تراخيص تشغيلها لدواعٍ أمنية.
معركة السيادة الجوية
ترى الحكومة اليمنية أن القضية لا تتعلق بطائرة بعينها، بل بمحاولة فرض واقع جديد في إدارة المجال الجوي اليمني، وأكدت أنها أبدت استعدادها لنقل الوفد الحوثي عبر "الخطوط الجوية اليمنية"، باعتبارها الناقل الوطني المعترف به دولياً، إلا أن الحوثيين وطهران تمسكا باستخدام "ماهان إير".
ويعتقد محللون أن هذا الإصرار يعكس رغبة إيرانية في تثبيت قناة جوية مباشرة مع المناطق الخاضعة للحوثيين، بعيداً عن إشراف الحكومة الشرعية، بما يحمل أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز الاعتبارات الإنسانية أو المدنية.
أمام مجلس الأمن
نقلت الحكومة اليمنية القضية إلى مجلس الأمن الدولي، حيث ركز مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، عبدالله السعدي، على الخلفية الأمنية للشركة، مشيراً إلى أنها خاضعة لعقوبات دولية بسبب ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني.
وأوضح أن الحكومة تمتلك معلومات ستقدمها إلى لجنة العقوبات الدولية وفريق الخبراء للتحقيق فيما إذا كانت الرحلتان قد تضمنتَا نقل أفراد أو معدات أو تقنيات قد تخالف نظام حظر السلاح المفروض على جماعة الحوثي.
وبينما لا تزال نتائج التحقيقات الدولية معلقة، تكشف الأزمة أن الصراع الدائر حول "ماهان إير" يتجاوز مسألة تشغيل رحلة جوية، ليعكس تنافساً أوسع على النفوذ والسيادة وشرعية إدارة المجال الجوي في اليمن، في ظل حرب لم تتوقف تداعياتها السياسية والعسكرية بعد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news