ترميم المواقع الأثرية يعيد الحياة إلى المدينة القديمة ويؤسس لرؤية تجعل الموروث الحضاري مورداً اقتصادياً واستثمارياً للأجيال القادمة
تعز/عدن اوبزيرفر:
تقرير.موسى المليكي.
لم تعد المعركة في مدينة تعز تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل امتدت إلى معركة أخرى لا تقل أهمية، عنوانها حماية الذاكرة التاريخية وصون الهوية الحضارية. ففي قلب المدينة القديمة، وبين الأزقة التي ما تزال تحتفظ بعبق التاريخ، تتواصل أعمال ترميم المواقع الأثرية والمعالم التاريخية، في خطوة تعكس توجهاً متزايداً نحو تحويل التراث الثقافي إلى ركيزة للتنمية الاقتصادية والسياحية، وإعادة الاعتبار لمدينة طالما كانت إحدى أبرز الحواضر الثقافية في اليمن.
وخلال زيارة ميدانية إلى المتحف الوطني والمدينة القديمة، اطلع مدير عام مكتب الإعلام بمحافظة تعز، محمد عبدالرحمن المسني، على سير أعمال الترميم التي تنفذها الهيئة العامة للآثار والمتاحف – فرع تعز، مثمناً الجهود المبذولة في إعادة تأهيل المواقع التاريخية والحفاظ على ما تبقى من الإرث الحضاري الذي تعرض لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب.
وأكد المسني أن ما تشهده المدينة اليوم يتجاوز مجرد ترميم المباني التاريخية، ليشكل مشروعاً وطنياً يهدف إلى حماية هوية تعز وإحياء مكانتها التاريخية باعتبارها واحدة من أهم المدن اليمنية التي ارتبط اسمها بالحضارة والعلم والتنوير، مشيراً إلى أن الحفاظ على التراث أصبح يمثل استثماراً استراتيجياً في مستقبل المحافظة، وليس مجرد نشاط ثقافي أو أثري.
وأوضح أن دولاً كثيرة حول العالم استطاعت تحويل مدنها التاريخية إلى مراكز جذب سياحي واقتصادي، الأمر الذي وفر لها مصادر دخل مستدامة، وأسهم في خلق آلاف فرص العمل، وتنشيط الصناعات التقليدية والحرف اليدوية، مؤكداً أن تعز تمتلك المقومات ذاتها إذا ما توافرت الإرادة والدعم والاستثمار.
وأضاف أن التراث الثقافي لم يعد يُنظر إليه بوصفه إرثاً من الماضي فقط، بل أصبح أحد أهم القطاعات الاقتصادية في العديد من الدول، حيث تعتمد عليه الصناعات الإبداعية والسياحية، وتسهم المواقع التاريخية والمتاحف والمهرجانات الثقافية في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التنمية المستدامة.
وأشار إلى أن المدينة القديمة في تعز تمتلك من المقومات المعمارية والتاريخية ما يؤهلها لتكون واحدة من أبرز الوجهات السياحية والثقافية في اليمن، لما تضمه من مبانٍ تاريخية وأسواق قديمة ومساجد ومدارس أثرية تعكس مراحل مختلفة من تاريخ الدولة الرسولية وغيرها من الحضارات التي تعاقبت على المدينة.
وفي هذا السياق، شدد المسني على أن نجاح جهود الترميم يتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي، مؤكداً أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في حماية الآثار من العبث أو الإهمال، داعياً إلى إطلاق حملات توعية مستمرة لتعريف المواطنين، خاصة الشباب، بأهمية التراث باعتباره جزءاً من الهوية الوطنية ورصيداً اقتصادياً للأجيال القادمة.
كما دعا إلى إنشاء نيابة متخصصة بحماية الآثار، بما يضمن تطبيق القوانين الرادعة بحق المعتدين على المواقع التاريخية، ويعزز منظومة الحماية القانونية للتراث الوطني، في ظل ما تعرضت له بعض المعالم من انتهاكات خلال السنوات الماضية.
ولفت إلى أن الحرب التي شنتها مليشيات الحوثي على مدينة تعز تسببت في أضرار جسيمة طالت العديد من المواقع الأثرية والمباني التاريخية، الأمر الذي ضاعف من مسؤولية الجهات الحكومية والمنظمات الدولية في الإسراع بتنفيذ مشاريع الترميم والإنقاذ، والحفاظ على ما تبقى من الشواهد الحضارية التي تمثل ذاكرة اليمن التاريخية.
وفي إطار إعادة الحياة إلى المدينة القديمة، دعا المسني إلى تنظيم مهرجانات ثقافية وفنية بصورة دورية، وإقامة معارض للتراث والحرف التقليدية، وتشجيع الرحلات المدرسية والجامعية إلى المتحف الوطني والمواقع التاريخية، بما يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم، إلى جانب تنشيط الحركة الاقتصادية داخل المدينة القديمة.
ويرى مختصون أن استكمال مشاريع الترميم وتهيئة البنية السياحية في المدينة القديمة يمكن أن يفتح آفاقاً واسعة أمام الاستثمار في القطاع السياحي والثقافي، خصوصاً مع ما تمتلكه تعز من إرث معماري وتاريخي غني، يجعلها قادرة على استعادة مكانتها كواحدة من أهم المدن التاريخية في الجزيرة العربية.
وتبقى الرسالة الأهم التي تحملها هذه الجهود أن حماية التراث ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية مجتمع بأكمله، لأن المدن لا تُبنى بالحجارة فقط، وإنما تُبنى أيضاً بذاكرتها وتاريخها وهويتها. وإذا نجحت تعز في الحفاظ على إرثها الحضاري واستثماره بصورة مستدامة، فإنها لن تستعيد ماضيها فحسب، بل ستؤسس لمستقبل اقتصادي وثقافي أكثر إشراقاً، يجعل من التاريخ رافعة للتنمية، ومن الهوية جسراً نحو المستقبل.
شارك هذا الموضوع:
المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة)
X
شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة)
فيس بوك
المزيد
إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة)
البريد الإلكتروني
معجب بهذه:
إعجاب
تحميل...
مرتبط
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news