آ
الميثاق نيوزـ متابعات، لم تكن مجرد موجة عابرة، بل ضربة قاسية أربكت شبكات القارة العجوز وأودت بآلاف الأرواح، لتكشف سجلات مناخية مرعبة عن تحول جذري لا مفر منه في قواعد الطبيعة.
توقفت المراوح فجأة، وذبذبت أضواء المدن تحت وطأة انقطاع التيار الكهربائي، بينما أُجبر التلاميذ على ترك مقاعدهم الدراسية هرباً من أفران الفصول.
في أواخر شهر يونيو ومطلع يوليو الجاري، لم يكن سكان غرب أوروبا يبحثون عن مظلات الشمس فحسب، بل كانوا يلهثون وراء قطرة ماء باردة في ظل واقع مناخي تجاوز كل التوقعات، تاركاً وراءه إيبيريا وفرنسا فريسة لألسنة اللهب والجفاف.
من شوارع إسبانيا وصولاً إلى بريطانيا، مروراً بإيطاليا وألمانيا وجزء من النمسا، رسمت الأقمار الصناعية صورة قاتمة.
خدمة "كوبرنيكوس" التابعة للاتحاد الأوروبي لم تكتفِ برصد الارتفاع، بل وثقت انهياراً للمألوف؛ إذ بلغ متوسط الحرارة عشرين درجة وأربعة وسبعين جزءاً من المئوية، متجاوزاً المعدلات الطبيعية بأكثر من ثلاث درجات كاملة.
كانت المحيطات تغلي هي الأخرى، مسجلة أرقاماً قياسية لسطح الماء لم تشهدها السجلات منذ بدء التوثيق في منتصف القرن التاسع عشر، بينما استعدت دول كإسبانيا والبرتغال لاستقبال موجات حر جديدة لا تلوح في الأفق أي بوادر لانكسارها.
لم تكن الطبيعة وحدها من يدفع الثمن.
فقد تحولت الغابات إلى وقود سهل الاشتعال، وتفاقم الجفاف ليخنق المحاصيل، وفي الوقت الذي حاول فيه الخبراء فك شفرة هذه الظاهرة، أشارت أصابع الاتهام العلمية إلى خط الأساس المناخي الذي ارتفع بنحو درجة وأربعة أعشار منذ القرن التاسع عشر بسبب انبعاثات الفحم والنفط.
ورغم محاولات البعض إلقاء اللوم على ظاهرة النينيو في المحيط الهادي، إلا أن الدراسات فصلت بوضوح بين ارتفاع حرارة المحيطات ولهيب القارة الأوروبية، مؤكدة أن التغير المناخي وحده هو المذنب الحقيقي في تفاقم درجات الحرارة القصوى.
وتؤكد سامانثا بورجيس من المركز الأوروبي للتوقعات الجوية أن هذا التحول العميق يضع السكان والبنية التحتية على حافة الهاوية، وهو ما يتفق معه عالم المناخ جوري روجيلج الذي يرى أن العلاقة بين الاحتباس الحراري وموجات الحر لم تعد مجرد نظرية، بل حقيقة مطلقة تزداد حدة مع كل ارتفاع طفيف في حرارة الكوكب.
ظل العلماء يربطون المعادلات، ويراقبون ذوبان الجليد وانبعاثات الغازات، ويحللون بيانات تعود إلى عام 1940، محاولين استيعاب كيف أن شهراً واحداً يمكنه أن يعيد تشكيل خارطة الطقس العالمية.
لكن كل هذه النظريات والمخططات البيانية كانت تتلاشى أمام حقيقة مادية واحدة، أُعلنت أخيراً بعد جمع البيانات من المستشفيات ومكاتب الإحصاء في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا.
عندما أُزيح الستار عن المحصلة النهائية لهذا الشهر الاستثنائي، لم تكن النتيجة مجرد أضرار مادية أو فواتير كهرباء مرتفعة، بل كانت حصيلة دموية مرعبة؛ أكثر من أربعة آلاف وسبعمائة حالة وفاة فوق المعدل الطبيعي في أربع دول فقط، في حصيلة أولية تخفي وراءها يقيناً علمياً بأن العدد الفعلي لضحايا هذا اللهيب الصامت في بقية أنحاء القارة أعلى بكثير مما تتجرأ السجلات الرسمية على إعلانه.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news