الميثاق نيوز، متابعة خاصة،
بينما تكشف الأرقام الأممية عن تسارع الحرمان الغذائي، تتحول الأسواق اليمنية إلى مفارقة قاسية؛ تتكدس فيها السلع وتفرغ الجيوب، لتطرح المعادلة الصعبة حول من يملك قرار لقمة العيش في ظل نزيف الموانئ وانهيار القوة الشرائية.
في قلب سوق يعج بالبضائع، يقف أبٌ يمني أمام رفوف القمح وهو يحسبها بدقة، ليدرك في لحظة صمت قاتلة أن مشكلته لم تعد في ندرة الدقيق، بل في عجزه التام عن شرائه.
هذا المشهد المتكرر ليس مجرد حالة فردية، بل هو نبض لواقع يكتوي بنار أرقام أممية حديثة، حيث تتكشف طبقات الأزمة لتكشف أن الجوع لم يعد نتيجة حتمية لنقص الغذاء، بل هو الضريبة القاسية لانهيار شامل في القدرة الشرائية.
التقرير المشترك لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الفاو آ لم يكتفِ برصد الأرقام، بل وضع يده على الجرح النازف؛ فأكثر من 62 في المائة من الأسر باتت تكافح لتأمين وجبتها، وقفز الحرمان الغذائي الشديد إلى 36 في المائة.
وفي المناطق الخاضعة لسيطرةآ ميليشيا الحوثيين، تتجلى المفارقة بأبشع صورها، إذ تضطر عشرة في المائة من الأسر لقضاء يوم وليلة بكاملهما دون طعام، في وقت تتحمل فيه تلك المناطق وطأة ارتفاع الأسعار بنسبة 13 في المائة منذ فبراير.
هذا الارتفاع لم يأتِ من فراغ، بل هو وليد تكاليف الشحن والتأمين البحري، ونزيف الموانئ الحمراء الذي كبد الاقتصاد المحلي نحو 1.4 مليار دولار، ناهيك عن تداعيات إغلاق مضيق هرمز التي فاقمت أزمة الوقود وجعلتها تتجاوز اضطرابات البحر الأحمر.
لكن الطريق إلى المناطق الخاضعة للحكومة لا يقل وعورة، فخمس السكان هناك يؤكدون تراجع دخولهم، وتواجه 5.4 مليون شخص شبح انعدام الأمن الغذائي الحاد مع اقتراب موسم الشح.
هنا، لا يقتصر الأمر على شح المساعدات فحسب، بل تتضافر قرارات اقتصادية قاسية؛ فمن رفع سعر الدولار الجمركي إلى 1550 ريالاً، إلى فرض رسوم جمركية على الوقود أدت إلى تراجع الواردات بنسبة 73 في المائة، لتغرق المديريات في ظلام يمتد لعشرين ساعة يومياً.
النتيجة المنطقية لهذا المزيج من استنزاف الاحتياطي النقدي وأزمة السيولة هي وصول 75 في المائة من السكان إلى ما دون خط الفقر، ليجد المواطن نفسه مضطراً لتبني استراتيجيات بقاء قاسية، كتقليص وجبات الأطفال وإطعامهم على حساب جوعه.
وفي خضم ذلك، تبرز في السطور الأخيرة من التقرير الأممي مفاجأة صادمة تقلب المعادلة رأساً على عقب؛ فمع تقليص عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية إلى النصف تقريباً، ليقتصر على 1.7 مليون يمني بسبب شح التمويل، أظهرت البيانات في المناطق الحكومية تحسناً غير متوقع.
فقد انخفض الحرمان الغذائي الشديد بين هؤلاء المستفيدين من 46 إلى 25 في المائة، وتراجعت نسبة الاستهلاك غير الكافي بنحو 23 نقطة مئوية.
هذه القفزة النوعية في ظل تقليص المساعدات تكشف حقيقة مدوية؛آ أن الأزمة في جوهرها ليست مجرد نقص في التمويل أو الغذاء، بل هي محصلة حتمية لسياسات الإفقار المنهجي.
كما تكشف أن الاستهداف الدقيق والمدعوم بقرارات اقتصادية رشيدة يمكن أن يصنع فارقاً جوهرياً، بينما تظل الملايين في الجانب الآخر رهينة لجوعٍ مُصنَعٍ لا فكاك منه إلا بكسر حلقة الإفقار المتعمد.
آ
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news