آ
الميثاق نيوز- قراءة وتحليل أحمد النويهي-
على امتداد أكثر من ألفي كيلومتر من السواحل التي تعانق البحر الأحمر وبحر العرب، يمتلك اليمن ما يصفه الخبراء بـ "المنجم الأزرق"؛ ثروة سمكية هائلة كانت ولا تزال تمثل ثالث أهم ركيزة للاقتصاد الوطني وشريان الحياة لملايين البشر.
هذا التقرير، الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2025، نقدم هنا في الميثاق نيوز قراءة تحليلة له من جزءينآ لان ماور في التقرير الأمميآ ليس مجرد سرد للأرقام؛ إنه تشريح دقيق لمنظومة سوق تقف على مفترق طرق، وخارطة طريق جراحية تسعى لترميم سلاسل القيمة الممزقة، وتحويل "الذهب الأزرق" من مجرد وسيلة للبقاء إلى محرك جبار للنمو المستدام والأمن الغذائي في وطن لا يحتمل ضياع فرصة أخرىآ
التحديات والقيود الهيكلية – "الإبحار في حقل ألغام اقتصادي"
في "الخوخة" أو "سيحوت" أو "المكلا"، لم يعد البحر هو الخصم الوحيد الذي يواجهه الصياد اليمني؛ فخلف الأفق الأزرق تكمن شبكة من القيود التي حولت مهنة الأجداد إلى معركة يومية من أجل البقاء. إن ما كشفته دراسة منظومة السوق لعام 2025 ليس مجرد قائمة من المعوقات التقنية، بل هو تشريح لبيئة معادية تعيق نمو قطاع يمتلك كل مقومات الازدهار ويفتقر إلى أبسط أدوات الاستقرارآ
عندما يغرق الصياد قبل أن يغادر الرصيف
تمثل "دورة الائتمان غير الرسمي" القيد الأكثر إحكاماً على رقاب الصيادين الحرفيين. في ظل غيار البدائل المؤسسية وانهيار الخدمات المالية التقليدية، وجد الصيادون أنفسهم عالقين في "حلقة مفرغة" من الاقتراض والارتهان . الصياد الحرفي اليوم لا يبدأ رحلته بالبحث عن السمك، بل بالبحث عن "تاجر" أو "وكيل" يمول ثمن الوقود والثلج والطعم.
هذه العلاقة، التي تبدو في ظاهرها تعاونية، هي في جوهرها "مقايضة قسرية"؛ فالتاجر الذي يوفر القروض يفرض شروطاً صارمة تشمل الحق الحصري في شراء الصيد بأسعار غالباً ما تكون أقل من قيمتها السوقية الحقيقية . ووفقاً للشهادات الميدانية، فإن العديد من الصيادين يعودون من رحلات شاقة ليجدوا أن حصيلة صيدهم تذهب بالكامل تقريباً لتسديد ديون الوقود وصيانة المحركات، مما يتركهم بفتات لا يكفي لتأمين قوت يومهم . هذا "الضغط المالي المستمر" حول الصياد من شريك في القيمة إلى "أجير مقيد" في منظومة يسيطر عليها رأس المال التجاري
فاتورة الطاقة" ومقصلة العملة المنهارة
لم تكن الحرب العسكرية هي الضربة الوحيدة؛ فقد كان للوضعية الاقتصادية المتردية وتدهور قيمة العملة الوطنية أثر "الضربة القاضية" على تكاليف التشغيل. ففي غضون عقد من الزمن، قفزت تكلفة رحلة الصيد الواحدة بمستويات فلكية؛ فما كان يكلف 10,000 ريال يمني قبل سنوات، يحتاج اليوم إلى ما بين 60,000 إلى 80,000 ريال، حيث يمثل الوقود وحده أكثر من 50% من إجمالي التكاليف.
هذا الارتفاع لم يتوقف عند حدود القوارب، بل امتد ليشمل "لوجستيات التبريد". مصانع الثلج، التي تعد ركيزة الجودة في القطاع، أصبحت تكافح للبقاء في ظل أسعار الديزل المتقلبة وانقطاع التيار الكهربائي . وفي مناطق مثل تعز والمهرة، أدى نقص الثلج أو ارتفاع ثمنه إلى "إجبار" الصيادين على بيع صيدهم سريعاً بأسعار بخسة لتجنب التلف، أو تقليص مدة رحلات الصيد، مما يعني كميات أقل وجودة أدنى
ركام الحرب في مواجهة طموح التصدير.
تكشف المعاينة الميدانية لمواقع الإنزال عن واقع مرير؛ فالبنية التحتية التي تعرضت لدمار مباشر أو إهمال مزمن أصبحت تشكل "عائقاً لوجستياً" أمام تدفق المنتجات. مرافق التخزين البارد المتهالكة، وغياب الأرصفة المجهزة، وانعدام الكسارات المائية لحماية القوارب أثناء مواسم الرياح المومسية، كلها عوامل ترفع من نسبة الفاقد من الصيد الذي يتراوح حالياً بينآ %2آ آ إلى 15%آ
وعندما تغادر الشحنة الساحل باتجاه مراكز التصدير، تبدأ رحلة أخرى من المعاناة عبر "البر". الطرق الوعرة والمليئة بنقاط التفتيش العسكرية تفرض تأخيرات زمنية ورسوماً غير رسمية تزيد من كلفة النقل.
ويشير التقرير إلى أن المصدرين يضطرون أحياناً لإعادة تزويد الشاحنات بالثلج في منتصف الطريق لتفادي الكوارث التجارية الناتجة عن تلف الشحنات القابلة للتلف.
آ شبح "الصيد الجائر" وغياب الرقابة البحرية
في الوقت الذي يكافح فيه الصياد التقليدي بمعداته البسيطة، تتعرض الأرصدة السمكية اليمنية لـ "غزو صامت" من قبل سفن صيد أجنبية غير قانونية تستغل غياب الرقابة البحرية . يشكو الصيادون بمرارة من تراجع كميات الصيد ونوعيته، وهو ما يرجعه الخبراء إلى ممارسات تدميرية تشمل "جرف القاع" واستخدام شباك محرمة دولياً تستنزف المخزون المستقبليآ
وعلى الصعيد المحلي، برزت معضلة "مصانع طحن الأسماك" كقضية خلافية؛ حيث تستهلك هذه المصانع كميات هائلة من سمك السردين لتحويله إلى أعلاف حيوانية، مما يهدد السلسلة الغذائية البحرية ويحرم المجتمع المحلي من مصدر بروتين رخيص . ورغم المحاولات الحكومية لحظر هذه الممارسات، إلا أن الضغوط الاقتصادية والحاجة الفورية للدخل تجعل من تطبيق القانون "معركة شاقة" في ظل ضعف أجهزة الإنفاذآ
أزمة الكفاءات وفجوة المهارات
رغم مستويات البطالة المرتفعة، يعاني القطاع السمكي من "ندرة في العمالة الماهرة". هناك فجوة عميقة في تخصصات حيوية مثل ميكانيكا المحركات الحديثة، تقنيات التبريد، ومراقبة الجودة وفق المعايير الدولية . هذه الندرة أدت إلى رفع أجور الفنيين المهرة بشكل يرهق الشركات الصغيرة، بينما تظل الغالبية العظمى من العاملين في القطاع من العمالة غير الماهرة التي تتقاضى أجوراً زهيدة لا تشجع على الاستدامة أو الابتكار .
أما فيما يخص "النوع الاجتماعي"، فتظل مساهمة المرأة محصورة في "الظل الاقتصادي". النسوة اللواتي يعملن في التجهيز المنزلي أو التعليب اليدوي يواجهن قيوداً اجتماعية وتعليمية تمنعهن من الارتقاء في سلسلة القيمة . غياب التعليم الفني والقيود على الحركة جعلت من طموح المرأة في إدارة مشاريع سمكية "حلماً مؤجلاً" يقتصر حالياً على مبادرات صغيرة تفتقر للتمويل والوصول للأسواقآ
آ التفتت المؤسسي وضعف الهيئات التعاونية
باستثناء نموذج "حضرموت" الذي لا يزال يحتفظ بجمعيات صيادين قوية ونشطة، تعاني بقية المناطق من "تآكل العمل التعاوني" . العديد من الجمعيات في عدن وتعز والمهرة إما متوقفة عن العمل تماماً، أو تحولت إلى كيانات صورية يسيطر عليها متنفذون عسكريون أو قبليون يخدمون مصالحهم الضيقة. هذا الغياب للمؤسسات الوسيطة ترك الصيادين "عزلًا" أمام تقلبات السوق وهيمنة الوسطاء، وحرمهم من القدرة التفاوضية الجماعية التي كانت توفر لهم في السابق الوقود المدعوم والقروض الميسرة .
آ إن القيود التي تكبل قطاع الأسماك في اليمن هي مزيج معقد من مخلفات الحرب، وانهيار المؤسسات، وغياب الاستثمار في العنصر البشري. وبدون معالجة جذرية لهذه الاختلالات، سيظل "الذهب الأزرق" اليمني ثروة معطلة، وصيادوه رهائن لمنظومة سوق تكافئ الوسطاء وتستنزف المنتجين.
آ
"خارطة الطريق لترميم الشباك الممزقة"
بينما تقف السفن الأجنبية في عرض البحر وتغرق قوارب الصيادين في الديون، لا يبدو أن الحلول التقليدية أو المساعدات الطارئة كافية لانتشال قطاع الأسماك اليمني من عثرته. إن تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2025 لا يكتفي بتشخيص الداء، بل يضع "مشرط الجراح" على ثمانية مجالات مفصلية، يرى الخبراء أنها تمثل الفرصة الأخيرة لتحويل "الذهب الأزرق" من ثروة مستنزفة إلى رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.
آ الاستدامة تبدأ من البيانات
لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه؛ هذه هي القاعدة الذهبية في الاقتصاد التي يفتقدها القطاع السمكي اليمني حالياً. تشير الأدلة غير الرسمية إلى انخفاض حاد في الأرصدة السمكية، خاصة الأنواع السطحية والقاعية، لكن غياب البيانات الدقيقة يجعل من اتخاذ قرارات سيادية أمراً مستحيلاً.
إن التدخل الأول المقترح يركز على دعم الهيئة العامة للثروة السمكية في بناء قاعدة بيانات متكاملة لرصد كميات الصيد. الهدف هنا ليس مجرد جمع الأرقام، بل تمكين المجتمعات المحلية من إدارة موائلها السمكية وحمايتها من "الغزو" غير القانوني، وضمان أن عمليات الصيد لا تستهلك مستقبل الأجيال القادمة من أجل أرباح لحظية.
آ تربية الأحياء البحرية: البديل "الذكي" للاستزراع التقليدي
في أروقة صنع القرار، يدور نقاش محتدم حول الاستزراع السمكي. ومع ذلك، يخلص التقرير الأممي إلى نتيجة صادمة: الاستزراع التقليدي قد لا يكون الحل الأمثل لليمن حالياً بسبب حاجته لرأس مال ضخم وتقنيات معقدة.
البديل المقترح هو "تربية الأحياء البحرية الحرفية"؛ وهي إدارة مستدامة للموارد تعتمد على تحسين الموائل الطبيعية وتوفير بيئة لنمو أنواع عالية القيمة مثل "سرطان البحر"، بدلاً من الاعتماد الكلي على الصيد من المخزون الطبيعي المنهك. هذا التحول يتطلب تغييراً في العقلية الإنتاجية من "الصيد الجائر" إلى "الإنتاج المخطط" .
آ إحياء روح "التعاونيات": نموذج حضرموت كمنارة
يكشف التحليل الميداني عن فجوة مؤسسية هائلة؛ فبينما تظل جمعيات الصيادين في حضرموت قوية وتقدم خدمات حقيقية من إقراض وتوفير وقود، تحولت الجمعيات في مناطق أخرى إلى كيانات هامشية أو "واجهات" لنفوذ التجارآ
التدخل المطلوب هنا هو إعادة هيكلة هذه الجمعيات لتستعيد دورها كحائط صد للصياد أمام تغول الوسطاء. إن تقوية الجمعيات تعني قدرة تفاوضية أعلى، ووصولاً أفضل للخدمات، والأهم من ذلك، كسر "حلقة الديون" التي تجعل الصياد أسيراً لتاجر الجملةآ
الثورة المالية: عندما يتوقف التاجر عن كونه "البنك"
يمثل الاعتماد على الائتمان غير الرسمي أحد أكبر العوائق أمام تحديث القطاع. الصيادون، والمجهزون، وحتى المصدرون، يتعثرون بسبب غياب التمويل البنكي. المقترح الأممي يذهب باتجاه تطوير "اتحادات ائتمانية" أو مؤسسات مصرفية متخصصة تسمح للصيادين بالادخار والاقتراض بفوائد معقولة.
هذا التدخل لا يخدم الصياد الصغير فحسب، بل يشجع كبار المجهزين على الاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الحديثة، وهي استثمارات تظل حالياً "مؤجلة" بسبب ندرة السيولة النقدية وصعوبة الوصول للتمويل المؤسسيآ
آ حوافز التغيير: "الثلج" كنموذج للسلوك الاقتصادي
يعلم الجميع أن استخدام الثلج يحسن جودة السمك، لكن الصيادين لا يستخدمونه دائماً. لماذا؟ لأن التقرير يرى أن "التدريب وحده لا يغير السلوك". الحل يكمن في ربط الجودة بالحوافز المالية؛ أي أن يلتزم تجار الجملة والمصدرون بدفع أسعار تفضيلية للمنتجات المحفوظة بالثلج.
وبالموازاة مع "الجزرة"، لا بد من "العصا"؛ حيث يشدد التقرير على ضرورة تفعيل مبدأ المساءلة وملاحقة الممارسات غير القانونية التي تضر بالنظام البيئي، وهو دور يجب أن تضطلع به الهيئة العامة للثروة السمكية بدعم دولي لتعزيز قدراتها الرقابية الميدانية.
آ
آ التصنيع المحلي: كسر تبعية الاستيراد
في واحدة من أكثر مفارقات الاقتصاد اليمني إيلاماً، يظل اليمن مستورداً صافياً للتونة المعلبة رغم سواحله الغنية بها. التدخل المقترح يركز على تعزيز القدرة التنافسية للمجهزين المحليين عبر إحلال الواردات.
من خلال دمج أنظمة التتبعآ والامتثال للمعايير الدولية لسالمة الأغذية، يمكن للمنتج اليمني ليس فقط تغطية السوق المحلية، بل غزو الأسواق العالمية بمنتجات ذات قيمة مضافة، بدلاً من تصدير الأسماك الخام التي لا يتجاوز تجهيزها حالياً "قطع الرأس وإزالة الأحشاء"آ
آ ترميم الشرايين اللوجستية: ما وراء الرصيف
لا يمكن لقطاع الأسماك أن يزدهر فوق بنية تحتية محطمة. التدخل السابع يركز على مواصلة إعادة تأهيل مواقع الإنزال، مع التركيز على الاستدامة. لا يكفي بناء رصيف أو مصنع ثلج؛ بل يجب ضمان وجود آليات صيانة وتمويل تضمن استمرار هذه المرافق في العمل بعيداً عن الاعتماد الكلي على المنظمات الدولية . إن تحسين قاعات "الحراج" ومرافق التخزين البارد هو الكفيل بتقليل الفاقد ورفع عوائد الصيادين.
آ المرأة: من "التجهيز المنزلي" إلى ريادة الأعمال
أخيراً، يضع التقرير الإصبع على "الفرصة الضائعة" المتمثلة في الدور الاقتصادي للمرأة. التدخل المطلوب هنا هو إجراء تحليل عميق للنوع الاجتماعي لتجاوز العوائق الثقافية التي تحصر المرأة في التجهيز المنزلي البسيط.
إن الهدف هو إدماج النساء في سلاسل القيمة عبر مشاريع صغيرة متطورة، مثل تعليب التونة أو إنتاج مشتقات بحرية عالية القيمة، وضمان وصولهن للأسواق وعدم بقائهن في "الظل الاقتصادي"آ
الخلاصة: إن هذه المجالات الثمانية لا تعمل في جزر منعزلة؛ بل هي منظومة متكاملة لإعادة إحياء السوق. إذا تم تنفيذ هذه التدخلات برؤية استراتيجية، فإن بحار اليمن لن تعود مجرد ساحة للصراع أو مصدراً للرزق الشحيح، بل ستتحول إلى محرك لنمو مستدام يطال أثره كل بيت في السواحل اليمنية المنهكة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news