الميثاق نيوز- تقرير خاص، لم تكن مباراة النرويج والسنغال مجرد مواجهة عابرة في دور المجموعات، بل كانت ملحمة كروية بكل ما تعنيه الكلمة.
بعد شوط أول شهد هدفاً تاريخياً للبديل بيدرسن، عاد الفريقان في الشوط الثاني بكل ما أوتيا من قوة، ليشهد الجمهور عرضاً كروياً مثيراً جمع بين عبقرية إرلينغ هالاند، الذي سجل هدفين وأضاع فرصة الهاتريك، وصمود السنغال الذي حاول العودة عبر إسماعيلا سار.
لكن القصة لم تنتهِ عند صافرة النهاية؛ بل في الدقيقة 90+3، وفي الوقت الذي كان فيه الجميع يعدّون الدقائق الأخيرة، انفجرت المدرجات بهدف سنغالي ثانٍ وصف بأنه "مميز"، ليُضيف جرعة أخيرة من الدراما إلى واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة.
بينما كان ملعب فيلادلفيا لا يزال يعاني من عاصفته، كان ملعب نيو جيرسي يشهد عاصفة من نوع آخر: عاصفة من الأهداف، والأرقام، والدراما التي أبقت الجماهير على حافة مقاعدها حتى الثانية الأخيرة.
انطلق الشوط الثاني وكأن النرويج كانت في سباق مع الزمن. في الدقيقة 46، أجرى المدرب النرويجي تبديلاً مبكراً، بإخراج فريدريك أورسنيس الذي كان غائباً في الشوط الأول، وإدخال باتريك بيرغ في خط الوسط لتعزيز السيطرة على الكرة.
ولم تمر سوى دقيقتين على انطلاقة الشوط، حتى جاءت الضربة القاضية. خطأ في وسط الملعب من السنغال، تحول إلى هجمة مرتدة رباعية للنرويج. مارتن أوديغارد قاد الكرة بثقة داخل الثلث الأخير، قبل أن يلعب كرة بينية متقنة في خطوة إرلينغ هالاند.
والأسطورة لم تخيب، لمسة نموذجية من مهاجم مانشستر سيتي وضعت الكرة في الشباك، هدفه الثاني في المباراة والثاني في البطولة، ليعادل رقمي مبابي وميسي في سباق الحذاء الذهبي.
آ
السنغال يرد: سار يمنح الأمل
بعد الهدف الثاني، بدا السنغال وكأنهم استيقظوا من غفلتهم. في الدقيقة 52، كاد نيكولاس جاكسون أن يُسجل برأسية من عرضية طويلة على الجهة اليمنى، لكن الحارس نيلاند تصدى لها ببراعة.
ثم جاءت الدقيقة 53، حيث نجح السنغال أخيراً في تسجيل هدفه الأول في البطولة. كرة طويلة من الخلف وجدت صاديو ماني، الذي اخترق المساحات ومرر الكرة إلى إسماعيلا سار داخل المنطقة.
سار سقط أرضاً، لكنه تمكن من مدّ رجله وتوجيه الكرة إلى الشباك، معلناً عودة الأمل إلى أسود التيرانغا، مشجعاً الجماهير السنغالية التي بدأت تهتف بأعلى صوتها.
الرد النرويجي القاتل: هالاند يعانق العارضة
لكن الفرحة السنغالية لم تدم طويلاً. في الدقيقة 58، وبعد خمس دقائق فقط من تقليص الفارق، عادت النرويج بضربة جديدة.
عمل جماعي رائع بدأ بتمريرة عرضية من بيدرسن تجاوزت الجميع، قبل أن يصل ساندر بيرغ إلى الكرة ويرسلها مباشرة إلى هالاند في قلب المنطقة.
ولمسة داخلية من المهاجم الأسطوري ارتطمت بالعارضة السفلية وسكنت الشباك، مسجلةً الهدف الثالث للنرويج وهدف هالاند الشخصي الرابع في البطولة.
في الدقيقة 63، اضطر السنغال إلى تغيير حارسه إدوارد ميندي الذي تعرض لإصابة واضحة في ساقه، ليحل محله موري دياو في عيد ميلاده الـ33.
ورغم أن دياو استقبل ثلاثة أهداف في آخر ظهور له ضد الولايات المتحدة، إلا أنه دخل بقوة للحفاظ على نظافة شباكه في الدقائق المتبقية.
وفي الدقيقة 71، أجرى السنغال تبديلاً مفاجئاً: خروج القائد والمدافع المخضرم كاليدو كوليبالي، الذي كان مسؤولاً مباشرة عن الخطأ الذي أدى إلى هدف بيدرسن في الشوط الأول، ودخول باب سار (توتنهام) لتعزيز خط الوسط، وكأن المدرب باب ثياو يعلن الاستسلام للهجوم بحثاً عن معجزة.
لكن القرار الأكثر إثارة للجدل جاء في الدقيقة 74، عندما سقط إدريسا غيي داخل منطقة النرويج إثر احتكاك مع ديفيد مولر وولف الذي ضرب ذراعه في رقبة غيي.
طالب السنغال بركلة جزاء، لكن الحكم وطاقم الفيديو قرروا عدم احتسابها، مبررين ذلك بأنها "ليست لمسة على الوجه أو الرقبة" وفق المعايير المعتمدة، مما أثار استياء اللاعبين والجماهير السنغالية.
مع اقتراب المباراة من نهايتها، أجرت النرويج تبديلين إضافيين في الدقيقة 84، حيث خرج ألكسندر سورلوث الذي عانى في مركز الجناح الأيمن، وتوربيورن هيغيم، ودخل بدلاً منهما أوسكار بوب وليو أوستيغارد.
وفي الدقيقة 88، كاد هالاند أن يسجل الهاتريك بعد تمريرة بينية أخرى، لكن المدافع موسى نياكاتي تدخل ببطولة وأبعد الكرة.
وفي الدقيقة 90، جاءت الفرصة الأخيرة للنرويج لتعزيز الفوز، عندما قاد أندرياس شيلديروب هجمة رائعة تضمنت مراوغة "ناتيغ" (تمرير الكرة بين قدمي المدافع) قبل أن يمرر كرة عرضية قريبة، لكن تسديدة أوسكار بوب اصطدمت بمدافع السنغال سييس لحماية المرمى المكشوف.
آ لحظة سحرية من إسماعيلا سار!
وبينما كان الجميع يعدّون الثواني الأخيرة من الوقت بدل الضائع (تسع دقائق كاملة)، جاءت اللحظة التي جعلت الجميع يقفزون من مقاعدهم. في الدقيقة 90+3، وفي الوقت الذي بدا فيه أن المباراة قد حُسمت، انفجر إسماعيلا سار مجدداً ليسجل هدفه الشخصي الثاني في المباراة، ويُقلص الفارق إلى 2-3 في مشهد وصفه المعلقون بأنه "مميز حقاً".
لم يكن هدفاً عادياً. بدأ الهجمة السنغالية من الخلف، ووصلت الكرة إلى سار على الجهة اليسرى، حيث راوغ مدافعاً نرويجياً ببراعة قبل أن يقطع نحو الداخل ويطلق تسديدة أرضية قوية من على حافة المنطقة، سكنت الزاوية البعيدة للحارس نيلاند الذي لم يستطع الوصول إليها.
المدرجات السنغالية انفجرت فرحاً، وكأنهم سجلوا هدف الفوز وليس مجرد هدف تقليص الفارق. كان الأمل قد عاد للحياة، ولو للحظات.
آ السباق ضد الزمن
بعد الهدف، بحث السنغال بشراسة عن هدف التعادل، وأرسلوا كرات طويلة داخل منطقة النرويج، لكن دفاع "فايكنغ" صمد ببطولة، وتمكن الحارس نيلاند من الإمساك بآخر كرة عرضية قبل أن يُطلق الحكم صافرته معلناً نهاية واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارةً ودراما.
انتهت المباراة بفوز النرويج 3-2، في نتيجة لم تعكس تماماً سيطرة "فايكنغ" طوال الشوط الثاني، لكنها أظهرت روح السنغال القتالية التي رفضت الاستسلام حتى اللحظة الأخيرة. بهذا الفوز، رفعت النرويج رصيدها إلى 6 نقاط، وتصدرت المجموعة الأولى بفارق الأهداف عن فرنسا (+7 للنرويج مقابل +5 للديوك).
أرقام قياسية في ليلة واحدة:
إرلينغ هالاند يصل إلى 58 هدفاً في 52 مباراة دولية، بمعدل أسطوري.
سباق الحذاء الذهبي يشتد: ميسي (5 أهداف)، مبابي (4)، هالاند (4).
إسماعيلا سار يسجل ثنائية وينقذ ماء وجه السنغال في وقت قاتل.
النرويج تتأهل إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى منذ 1998.
بالنسبة للسنغال، رغم الهزيمة، خرجوا برأس مرفوع بعد أن قدموا شوطاً ثانياً قتالياً، وسجلوا هدفين من أصل ثلاثة أهداف في البطولة حتى الآن.
هدف سار الثاني في الدقيقة 90+3 قد يكون بمثابة شرارة لإنعاش آمالهم في المباراة الأخيرة أمام العراق، لكنهم سيحتاجون إلى فوز عريض وتحسين فارق الأهداف بشكل كبير لتأمين أحد مقاعد أفضل ثمانية فرق تحتل المركز الثالث.
أما النرويج، فقد أثبتت أنها ليست مجرد فريق يعتمد على هالاند، بل مجموعة متماسكة قادرة على الفوز حتى عندما يكون نجمها الأكبر في حالة دون المثالية.
الطريق إلى الأدوار الإقصائية أصبح مفتوحاً، والتحدي القادم أمام فرنسا سيكون اختباراً حقيقياً لقدرات هذا الفريق الصاعد.
في ليلة جمعت بين العواصف في فيلادلفيا والأهداف في نيو جيرسي، أثبتت كأس العالم مرة أخرى أنها المسرح الأكبر للدراما الكروية، حيث تتساوى الفرص، وتتساقط الأرقام القياسية، وتُكتب الأساطير في كل ركن من أركان البطولة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news