الميثاق نيوز -آ متابعة خاصة - بينما تركز عدسات العالم على سماء اليمن المشتعلة بالغارات، وحين تغلق الحروب الأبواب وتُقيّد الحريات، تفتح السينما نوافذ غير متوقعة، وهو ما فعلته سارة إسحاق في فيلمها "المحطة" المعروض في كان، حيث حوّلت محطة وقود نسائية في اليمن إلى بطل رئيسي يروي حكاية الصمود اليومي.
آ
هذا المشهد الغريب، الذي قد يبدو عابراً في أي مكان آخر، تحوّل في فيلمها الروائي الأول "المحطة" إلى معركة وجودية ضد اختزال وطن بأكمله في صور الجوع والدمار.
فبعد أن رُشحت للأوسكار وعاشت القصف في بيت جدها، تدرك سارة أن التوثيق المباشر لم يعد كافياً، فتقرر أن تخوض حرباً مختلفة؛ حرب السينما، حيث تصبح المحطة ملاذاً مؤقتاً تلتقي فيه النساء ليحكين حكايات لا ترويها المدافع، وليثبتن أن الضحك اليمني، برغم كل شيء، هو أقوى صواريخ المقاومة.
محطة وقود النساء.. صدفة غيرت المسار
العام 2015، وتحديداً في العاصمة صنعاء، صادفت إسحاق مشهداً أيقنَت أنه ليس مجرد صدفة عابرة: محطة وقود لا يدخلها إلا النساء.
في مجتمع محافظ تغلق فيه الأبواب خلف الأنثى، كان هذا الموقع أشبه بثورة صامتة.
لكن المفارقة أن هذه المحطة لم تكن دائمة؛ بل كانت تظهر وتختفي وفق أزمات الوقود، وكأنها سراب يمنح النساء لحظات حرية قبل أن يتبخر.
عشر سنوات من اليأس.. كيف تحول الوثائقي إلى روائي؟
بدأت الرحلة كفكرة وثائقية، لكن سرعان ما اصطدمت سارة بجدار المجتمع المحافظ الذي يرفض ظهور النساء أمام الكاميرا، إضافة إلى طبيعة الحرب التي تزرع الشك في قلوب الناس تجاه أي عدسة.
تقول إسحاق: "أعتقد أن اليأس هو ما دفعني إلى الاتجاه نحو السينما الروائية".
ومع أن صناعة الفيلم استغرقت أكثر من عشر سنوات، إلا أن تلك السنوات لم تكن مجرد انتظار، بل كانت رحلة نضج شخصي وفني، حيث تحولت الحكايات المأساوية التي كانت تسمعها في التجمعات النسائية ـ حكايات تمتزج فيها السخرية بالألم والضحك بالخوف ـ إلى سيناريو نابض بالحياة.
حرب تعيشها الكاميرا قبل أن ترويها
لم تكن سارة مجرد مخرجة تقف خلف الكاميرا؛ بل كانت جزءاً من المأساة.
وأثناء تصوير فيلمها الوثائقي السابق "بيت التوت"، عاشت ستة أشهر متواصلة بمفردها وسط القصف في بيت جدها الذي تعرّض للقصف بدوره.
شاهدت بأم عينيها كيف تُقتل وجوه تعرفها، وتُهجر عائلات بأكملها.
هذا الأثر النفسي العميق، كما تصفه، جعلها كالطبيب النفسي الذي يحتاج إلى طبيب، لكنها حولت هذا الألم إلى شغف لإيجاد لغة سينمائية جديدة.
لماذا رفضت صور الدماء المعتادة؟
في خضم هذا الدمار، اتخذت سارة قراراً جريئاً: ألا تقدم مشاهد الانفجارات والجثث التي بات المشاهد العربي، كما تقول، يعاني من "إرهاق بصري وعاطفي" تجاهها.
بدلاً من ذلك، اختارت أن تكون الحرب ظلاً ثقيلاً في الخلفية، بينما تتركز الكاميرا على التفاصيل اليومية الصغيرة؛آ نظرات النساء، حديثهن العابر، ضحكاتهن القلقة.
تريد أن يشعر المشاهد وكأنه يجلس إلى جانب خالته أو جدته، لا أمام نشرة أخبار.
اليمن خارج القوالب النمطية
تُصرّ المخرجة على تحطيم الصورة النمطية التي طالما أحاطت ببلدها.
وتقول بثقة: "لا أسعى إلى تقديم اليمن كبلد يُختزل في العنف والمعاناة؛ لدينا الجمال والحضارة والتاريخ، والطعام المميز. اليمنيون بطبعهم شعب خفيف الظل يحب الضحك والمرح والحياة".
في "المحطة"، تحاول سارة إثبات أن الهوية اليمنية أوسع من عنوان الفقر والحرب، وأن المرأة هناك ليست مجرد ضحية، بل هي صانعة أمل في زمن انعدم فيه الأمل.
في مشهد سينمائي نادر، تنجح سارة إسحاق في أن تنصب "محطتها" كحجر عثرة في وجه كل من حاول اختزال اليمن في خبر عاجل.
فبينما يبحث العالم عن الدماء، تمنحنا هي النبض؛ وعندما ينتظر الجميع الصواريخ، تطلق هي قنابل من الضحك النسائي الذي لا يُقهر.
"المحطة" ليست مجرد فيلمٍ يُعرض في مهرجان كان، بل هي بيان سينمائي واضح؛ أن اليمن، رغم كل الجروح، لا يزال يقف على قدميه، وأن النساء هناك يكتبن يومياً، في صمت، ملحمة انتصار لا تلتقطها عدسات الأخبار.
السؤال الذي يتركه الفيلم في الأذهانآ محفوراً: هل نحن مستعدون حقاً أن نرى اليمن بعيون نسائه، بدلاً من نظارات الحرب المعتمة؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news