الميثاق نيوز - (القاهرة والناس / الجلسة السرية) - تقرير خاص
، في مراجعة تاريخية ودبلوماسية شاملة، كشف وزير الخارجية الأسبق الدكتور أبو بكر القربي الامين العام المساعد للمؤتمر الشعبي العام، عن كواليس ثلاثة عقود من الحكم والاضطرابات في اليمن.
محذراً من أن الأجندات الدولية التي سُوقت تحت مسمى "الديمقراطية" و"الفوضى الخلاقة" أدت إلى نتائج كارثية عجز صانعوها عن التحكم بها، بينما أقر في الوقت ذاته بإخفاق النخب السياسية اليمنية في الانتقال من مربع "بناء السلطة" إلى رحاب "بناء الدولة".
وفي مقابلة مطولة ضمن برنامج "الجلسة السرية" على قناة القاهرة الإخبارية، استعرض القربي تحولات المشهد اليمني منذ وصول الرئيس الراحلآ الزعيمآ علي عبد الله صالح إلى السلطة في عام 1978، وصولاً إلى انفجار أحداث عام 2011، وما تلاها من صراعات مركبة، مقدماً تشريحاً دقيقاً للعلاقة الشائكة بين الداخل اليمني والقوى الخارجية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.
الفوضى الخلاقة: رهان "الانفجار العظيم" الأمريكي
واستعاد القربي تفاصيل حوار دبلوماسي اتسم بالطابع الفلسفي مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس في عام 2002، حيث واجهها بتشكيك عميق في نظرية "الفوضى الخلاقة" التي كانت واشنطن تبشر بها في المنطقة.
وأوضح القربي أنه استعار مفهوم "الانفجار العظيم" الكوني ليحذر رايس من أن سيطرة الخالق وحده هي ما جعلت من انفجار الكون نظاماً بديعاً، متسائلاً إن كانت واشنطن تمتلك القدرة ذاتها للسيطرة على نتائج "الفوضى" التي تعتزم إطلاقها في الشرق الأوسط.
وأشار القربيآ إلى أن رد رايس الذي وصف النقاش بـ "الفلسفي" كان هروباً من مواجهة حقيقة أن المخططات الحقيقية كانت تهدف إلى إلهاء الشعوب بشعارات براقة بينما تختلف الأهداف الجيوسياسية تماماً عما أعلن عنه.
ويرى القربي أن الضرر الذي لحق بالمنطقة جراء هذه السياسات يثبت تعمد إحداث الفوضى دون حسابات دقيقة للعواقب، أو على الأقل استثمار المظالم الشعبية عبر أدوات محلية، ومنظمات مجتمع مدني، وتيارات شبابية تم تجنيدها لفرض أجندة التغيير الأمريكية .
فلسفة "الرقص على رؤوس الثعابين"
وفي ما يتعلق بإدارة الدولة، دافع القربي عن منهجية الرئيس الراحل الزعيم علي عبد الله صالح، واصفاً إياها بـ "العبقرية في الحفاظ على التوازنات" وسط بيئة وطنية شديدة التعقيد.
وأكد القربي أن وصف صالح للحكم في اليمن بـ "الرقص على رؤوس الثعابين" لم يكن مجرد استعارة بلاغية، بل انعكاس لواقع وجود أحزاب بأيديولوجيات متناقضة، وقبائل يفوق ولاؤها لرموزها أحياناً ولاءها للدولة، بالإضافة إلى تدخلات خارجية مستمرة .
وأوضح أن صالح نجح منذ عام 1978 في استيعاب القوى السياسية المتصارعة – بما في ذلك الناصريين والاشتراكيين والإسلاميين – تحت مظلة "المؤتمر الشعبي العام"، مما مهد الطريق لإنهاء الصراعات الدموية في المناطق الوسطى وتحقيق استقرار مكن من إنتاج النفط وبدء التنمية الحقيقية .
ومع ذلك، اعترف القربي بأن العجز المشترك بين الحكومة والمعارضة عن حسم القضايا الحيوية بالطرق الصحيحة، أدى إلى حالة من "التجمد السياسي" عقب انتخابات 2006، مما شرع الأبواب أمام اضطرابات 2011 .
الديمقراطية المجهضة وصدمة 2006
وفي اللقاء سجل الدكتور القربي اعتزازاً بالمسار الديمقراطي الذي انتهجه اليمن عقب الوحدة في عام 1990، معتبراً أن البلاد سلكت طريقاً أسرع من جيرانها في المنطقة في مجال التعددية السياسية والانتخابات التنافسية.
إلا أن هذا المسار اصطدم لاحقاً بجدار المماحكات السياسية حول النظام الانتخابي، ورفض المعارضة لنتائج انتخابات 2006، وهو ما اعتبره القربي بداية النهاية للاستقرار السياسي.
وأكد أن محاولات "إزاحة التاريخ" بدلاً من إصلاح الحاضر كانت السمة الغالبة على خطاب المعارضة التي ركزت على إبعاد صالح شخصياً وتجاهلت معالجة جذور أزمة بناء الدولة.
صعود الحوثيين وتآكل دور القبيلة
وفي تحليل لافت لصعود ميليشيا الحوثيين، أرجع القربي قوتهم إلى قدرتهم العالية على استغلال الفجوات الناتجة عن الصراع بين السلطة والمعارضة.
وأوضح أن الجماعة استثمرت شعارات "المظلومية" والفساد الإداري، بالتوازي مع بناء قدرات عسكرية مكنتها من فرض واقع جديد.
كما أشار الدبلوماسي المخضرم إلى أن "أدلجة الصراع" في صعدة بدأت مع تنامي التيار السلفي في مناطق الزيدية، مما خلق رد فعل مذهبي زاد من تعقيد المشهد.
وبشأن الخارطة القبلية، أكد القربي أن التحالف التاريخي بين الزعيم صالح والشيخآ الأحمر كان ركيزة للاستقرار، لكن هذا النفوذ القبلي تراجع بشكل ملحوظ لصالح سلطة الجماعة الحوثية بعد وصولها للحكم.
وحول دور تيار "الإخوان المسلمين"، اعتبر القربي أن رغبتهم الجامحة في الوصول إلى السلطة في عام 2011 أدت إلى وقوع "الوقيعة الكبرى" داخل منظومة الحكم، مما أضعف الدولة لصالح القوى الصاعدة الأخرى.
المبادرة الخليجية: "احلق رأسك قبل أن يحلقوه لك"
بالانتقال إلى أحداث 2011، كشف القربي عن القناعة التي سادت داخل النظام حينها بأن التغيير بات مطلباً "مشروعاً" وضرورياً لمواجهة الضغوط الدولية المتزايدة.
واستشهد القربي بمقولة صالح الشهيرة: "احلق رأسك قبل أن يحلقوا لك رأسك"، كفلسفة قادت النظام للقبول بالمبادرة الخليجية.
وشدد على أنآ الزعيم صالح أصر على أن يكون انتقال السلطة عبر الدستور والانتخابات البرلمانية، رافضاً فكرة "القفزة في الظلام" أو تسليم البلاد للفراغ السياسي.
وأكد القربي أن الأولوية في تلك اللحظة الحرجة كانت "إنقاذ الدولة" وليس مجرد حماية النظام، معترفاً بأن التدخل الدولي كان صارماً لفرض هذا التغيير.
القضية الجنوبية: مظلمة وطنية لا جغرافية
فيما يخص القضية الجنوبية، طرح القربي رؤية مغايرة، مؤكداً أن المظالم كانت "قضية وطنية شاملة" طالت جميع المحافظات اليمنية دون استثناء.
وبينما أقر بوجود مظالم فردية وإدارية واضحة لحقت بأبناء الجنوب عقب حرب 1994، مثل تسريح العسكريين وقطع المرتبات، إلا أنه اعتبر أن هذه القضايا تم استثمارها سياسياً لتعزيز دعوات الانفصال.
وحذر القربي من أن العودة لوضع ما قبل عام 1990 لن تحل المشكلات، لأن تلك الفترة شهدت أيضاً صراعات ومظالم في الشطرين، مؤكداً أن الحل الوحيد يكمن في بناء دولة مؤسسات شاملة تعالج تظلمات المواطنين في صعدة وعدن وصنعاء على حد سواء .
أزمة بناء الدولة
اختتم القربي قراءته بالتأكيد على أن الفشل الجوهري في اليمن، وفي العالم العربي بشكل عام، يكمن في الانشغال بـ "بناء السلطة" على حساب "بناء الدولة".
وأشار إلى أن المعارضة (اللقاء المشترك) التي أزاحت صالح لم تقدم نموذجاً أفضل، بل وقعت في الأخطاء ذاتها، مما أبقى المشاكل البنيوية قائمة.
ويظل التساؤل الذي طرحه القربي في بداية الحوار قائماً: هل ستتمكن المنطقة من الخروج من نفق "الفوضى" التي لم تعد "خلاقة" إلا في تدمير المؤسسات، أم أن النموذج اليمني سيبقى شاهداً على صعوبة الرقص فوق رؤوس الثعابين في زمن التدخلات الدولية الكبرى؟ .
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news