أثارت تصريحات محافظ محافظة أرخبيل سقطرى "رأفت الثقلي" الموالي للمجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، عن موقع الأرخبيل (شرقي اليمن) وهويته، جدلاً واسعاً في أوساط اليمنيين، وسط مطالبات بإقالته ومساءلته.
وفي مداخلة له خلال الجلسة الختامية للمؤتمر الوطني لتعزيز الشراكة بين السلطة المحلية والسلطات المركزية، الذي عُقد في العاصمة المؤقتة عدن، الثلاثاء، قال الثقلي إن سقطرى أقرب جغرافيًا إلى الصومال منها إلى البر اليمني، ما أثار اعتراضات ومشادة ساخنة داخل القاعة.
وطالب مشاركون في المؤتمر المحافظ بتوضيح مقصده، معتبرين أن التشكيك في يمنية سقطرى طرحاً مرفوضًا، خصوصًا وأنه صدر عن المسؤول الأول في المحافظة، وخلال فعالية رسمية.
تأتي هذه التصريحات في ظل إدارة الثقلي للمحافظة منذ أغسطس/آب 2022، ممثلاً للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يتبنى مشروع انفصال جنوب اليمن عن شماله. وكان المجلس قد بسط نفوذه العسكري على سقطرى بدعم إماراتي في 2020 بعد مواجهات مع القوات الحكومية.
وتعيد تصريحات الثقلي الجدل حول موقع سقطرى في الخطاب السياسي، وما إذا كانت مجرد قراءة جغرافية، أم تحمل رسائل سياسية مرتبطة بصراع النفوذ والهوية ومستقبل الأرخبيل، في ظل حساسيتها ضمن التوازنات المحلية والإقليمية.
رسالة سياسية
المحلل السياسي ياسين التميمي، حذر من خطورة تصريحات الثقلي وتوقيته، وقال إن التشكيك في يمنية سقطرى يخدم أجندات إماراتية تستهدف فصل الجزيرة الاستراتيجية عن محيطها اليمني وتمس السيادة الوطنية.
وأضاف لـ"بران برس" إن “الثقلي استغل مناسبة مهمة ورسمية في عدن تعنى بتعزيز العلاقة بين المحافظات والدولة المركزية، لإطلاق تصريحات خطيرة تنفي يمنية الأرخبيل وتقدمه كقطعة أرض متنازع عليها مع الجيران”.
ووصف التميمي هذه التصريحات بأنها “رجع صدى لما يريده أسياده الذين يتخادم معهم، فالرجل تصرف نيابة عن أسياده الذين أرادوا القول: لنا أرخبيل سقطرى أو نحيله إلى جغرافيا متنازع عليها مع الجار الصومالي”.
تسجيل حضور
الصحفي والكاتب وديع عطا، قلل من خطورة تصريحات الثقلي، معتبراً أنها تأتي في سياق الاستهلاك الإعلامي وتسجيل حضور لشخص يرتبط بولاء للإمارات وأجنداتها في اليمن.
وقال لـ“بران برس”: “لا أرى أن لهذه التصريحات دلالات قوية أو حقيقية، غير أنها فقط للاستهلاك الإعلامي يريد قائلوها- سواءً كان الثقلي أو غيره مثلاً من الذين كانوا مرتبطين بأبوظبي- التذكير بتبعيتهم لها، وأنهم لا يزالون قادرين على التصريح والحديث بعبارات وأطروحات تثبت ولاءهم للخارج أكثر من ولائهم للدولة اليمنية ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي”.
رسائل استفزاز
وبشأن مخاطر ترويج سرديات القرب الجغرافي من الصومال في هذا التوقيت، أوضح "التميمي" في حديثه لـ"بران برس"، أن الغرض من ذلك هو الزج بالأرخبيل في دوامة النزاع الإقليمي.
وقال: “لا شك أن محافظ أرخبيل سقطرى، الذي يمثل قرار تعيينه مثالاً للتفريط بالقرار السيادي، أوصل أكثر رسائل أبوظبي استفزازاً وإثارة للحساسية الجيوسياسية وطرحها في محفل يعنى بتأكيد السيادة اليمنية على أراضيها وارتباط المحافظات بمركز الدولة، حينما تعمد الإشارة إلى عامل القرب الجغرافي لأرخبيل سقطرى من البر الصومالي”.
في المقابل، لا يرى "عطا" أن سقطرى تواجه خطورة “أكثر مما كانت عليه حينما كانت خارج سيطرة الدولة... في عهدة أبوظبي وضباطها والمنتسبين إليها بالولاء الشخصي أو السياسي”.
وأضاف: “تصريحات الثقلي فقاعة وعبارات عابرة، خصوصاً إذا وضعناها في سياقها العادي، فهي عبارة عن تعليق في ورشة أو تجمع ثقافي أو سياسي، لا أعتقد بأنه يمكن البناء عليها أو تستحق حتى ردة فعل”.
ووصفها بأنها “الرقصة الأخيرة لرأفت الذي يبدو قريباً سيغادر هذا المنصب، ويريد فقط أن يسوق من نفسه لدى أولياء نعمته”.
لا يستحق الرد
فيما يتعلق بالرد، يرى عطا أن “الأمر لا يستحق التعليق أو الرد السياسي، ناهيك عن المساءلة القانونية لمثل هذه التصريحات، لأنها ستعطي لصاحبها قيمة ووزن وهو أصلاً فقده من أول يوم استعادة الشرعية في سقطرى”.
وأضاف أن الثقلي “يحاول أن يسوق نفسه للمسؤولين في القيادة السياسية في مجلس القيادة الرئاسي والمقربين منهم بأن اليوم ولاؤه للدولة، وأنه مستعد للتعاون مع الحكومة الشرعية".
وحسب عطا فإن من يقوم اليوم بالعمل الحقيقي داخل سقطرى هم المنتمون للدولة، والمحتفظين بالولاء للجمهورية اليمنية، والمرتبطين فعلاً بمجلس القيادة الرئاسي، والمدركين حقيقة لمصلحة سقطرى ويمنيتها وهويتها الأصيلة.
رسالة مضمرة وسؤال قائم
وعن الأبعاد والدلالات، أوضح التميمي أن “الرسالة المضمرة في حديث الثقلي، التي يتعين على أصحاب الانتقالي المنحل أن يفهموها، هو أن الإمارات لم تكن تتعاطى من المشروع الانفصالي إلا كمرحلة أولى تمهيدية تتيح لها وضع اليد على الأرخبيل لكونه كياناً جغرافيا منفصلاً ويتمتع بهوية مستقلة عن البر اليمني، أو البر الجنوبي العربي كما يزعمون”.
ولفت إلى أن تعيين الثقلي محافظاً لسقطرى جاء بعد أحداث يونيو 2020 التي انتهت بسيطرة الانتقالي على الأرخبيل، موضحًا أن ذلك أدى إلى “مرحلة من الارتهان الكامل للنفوذ الإماراتي وفقدان السيادة الوطنية على الأرخبيل”.
وتساءل التميمي عن موقف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة من بقاء مسؤولين يحملون مواقف تشكك في الثوابت الوطنية داخل هيكل السلطة الشرعية قائلًا: “ما الذي ينتظره رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بعد هذه التصريحات التي أطلقها المحافظ الثقلي وسجل من خلالها جريمة الخيانة العظمى؟ ولماذا لا يصدر قراراً بإقالته وإحالته للمحاكمة؟”.
وتُعد سقطرى، الواقعة في بحر العرب قبالة سواحل القرن الأفريقي، جزءًا أصيلًا من الأراضي اليمنية، وتحظى بأهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي في بحر وخصوصيتها البيئية الفريدة، ما جعلها خلال السنوات الماضية محورًا لتنافس سياسي وإقليمي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news