أعادت حادثة انتشال جثمان المواطن القعقاع علي عنتر العبسي من قاع حرضة دمت البركانية بمحافظة الضالع إلى الواجهة قضية طالما أثارها أبناء المنطقة والمهتمون بالشأن السياحي والبيئي، والمتمثلة في ضرورة العناية بهذا المعلم الطبيعي الفريد وتأهيله وحمايته من الإهمال والمخاطر التي تهدد الزوار بصورة متكررة.
وشهدت حرضة دمت خلال الأيام الماضية عملية بحث وإنقاذ معقدة نفذتها فرق الغوص والإنقاذ المائي التابعة لمصلحة الدفاع المدني، واستمرت لأكثر من أربع ساعات في ظروف بالغة الصعوبة، انتهت بالوصول إلى الجثمان وانتشاله من أعماق المياه الحارة داخل الفوهة البركانية. وقد أظهرت العملية حجم التحديات التي تواجهها فرق الإنقاذ في موقع يتميز بطبيعة جغرافية استثنائية ومخاطر بيئية متعددة.
وتعد حرضة دمت واحدة من أشهر المعالم الطبيعية في اليمن وأكثرها تفرداً، إذ تتشكل من فوهة بركانية عميقة تحتوي على مياه معدنية حارة غنية بالكبريت، يقصدها الزوار من مختلف المحافظات للاستجمام والاستفادة من خصائصها العلاجية المعروفة منذ عقود. كما تمثل معلماً جيولوجياً نادراً يجمع بين القيمة البيئية والسياحية والعلاجية في آن واحد.
ورغم ما تمتلكه الحرضة من مقومات تؤهلها لتكون وجهة سياحية وعلاجية بارزة على مستوى اليمن والمنطقة، إلا أن الموقع ما يزال يفتقر إلى أبسط متطلبات السلامة والخدمات الأساسية، حيث تغيب الحواجز الواقية حول المناطق الخطرة، وتندر اللوحات الإرشادية والتحذيرية، كما تعاني بعض أجزاء الموقع من ضعف أعمال النظافة والصيانة الدورية، الأمر الذي يرفع من احتمالات وقوع الحوادث ويؤثر على جاذبية المكان.
ويرى مهتمون بالشأن السياحي أن الحادثة الأخيرة ينبغي أن تكون جرس إنذار للجهات المعنية في السلطات المحلية ووزارات السياحة والمياه والبيئة والأشغال العامة، من أجل إطلاق برنامج عاجل لتأهيل الموقع، يشمل إنشاء حواجز حماية حول المناطق الخطرة، وتحديد مسارات آمنة للزوار، وتوفير فرق إرشاد ومراقبة، وتحسين مستوى النظافة العامة والمحافظة على جودة المياه المعدنية من أي ملوثات أو ممارسات عشوائية قد تؤثر على خصائصها الطبيعية.
كما تتزايد الدعوات إلى إعداد مشروع متكامل لتطوير حرضة دمت وتحويلها إلى متنزه طبيعي وسياحي منظم، يتضمن مرافق خدمية ومناطق جلوس واستراحات ومواقف للسيارات ولوحات تعريفية بتاريخ الموقع وأهميته الجيولوجية، بما يضمن استثمار هذا المورد الطبيعي بالشكل الأمثل ويحقق عائداً اقتصادياً وسياحياً للمنطقة.
ويؤكد مختصون أن الاهتمام بحرضة دمت لا يقتصر على الجانب السياحي فحسب، بل يمتد إلى الحفاظ على إرث طبيعي فريد يمثل جزءاً من الهوية البيئية لليمن، خصوصاً في ظل ما تمتلكه المنطقة من مقومات يمكن أن تجعلها مركزاً للسياحة العلاجية والبيئية إذا ما توفرت لها الرعاية اللازمة والبنية التحتية المناسبة.
وفي الوقت الذي حظيت فيه جهود فرق الدفاع المدني بإشادة واسعة نظير ما أظهرته من كفاءة ومهنية عالية في تنفيذ عملية الإنقاذ والانتشال، تتجه الأنظار اليوم نحو الجهات المختصة لاتخاذ خطوات عملية تضمن حماية الزوار والحفاظ على هذا المعلم الطبيعي النادر، حتى لا تتكرر مثل هذه الحوادث مستقبلاً، وليبقى موقع حرضة دمت واحداً من أبرز الكنوز الطبيعية والسياحية التي يزخر بها اليمن.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news