تقاطع الفراغ المهني والهروب السيكولوجي في الفضاء الرقمي اليمني

تقاطع الفراغ المهني والهروب السيكولوجي في الفضاء الرقمي اليمني

يشهد مجتمع التواصل الاجتماعي في اليمن ظاهرة لافتة تتمثل في تضخيم الهوامش؛ حيث تبرز قضايا ثانوية أو عبثية لتتصدر المشهد العام، مستنزفةً الطاقات الذهنية والنفسية لليمنيين. هذا الاندفاع الرقمي ليس مجرد سلوك عابر، بل هو انعكاس عميق لزلزال اجتماعي أحدثته الحرب، متمثلاً في انهيار العلاقة الجوهرية بين الفرد والعمل.

يرتبط الإنسان في سياقه الطبيعي ببيئة عمل تمنحه هوية ومكانة. ومع استمرار الحرب في اليمن، يشير “تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)” إلى فقدان ملايين اليمنيين لسبل عيشهم، مما أدى إلى ما يمكن تسميته بـ “الاغتراب الوظيفي”.

حين يفقد الفرد (الموظف، الأكاديمي، العامل) دوره الإنتاجي، ينشأ فراغ قاتل لا يقتصر على الوقت، بل يمتد إلى القيمة الذاتية. هذا الفراغ يبحث عن إنجاز بديل، فيجده في المعارك الرقمية التي توفر شعوراً زائفاً بالأهمية والانتصار. وهنا ينهار المعنى و قيمة الأشياء و الهروب من العجز إلى الضجيج وهو ما يسمى ب”الإزاحة النفسية” كما يصفها غوستاف لوبون

لماذا يستميت اليمني في قضايا هامشية بينما يتجاهل قضاياه الوجودية. فالقضايا الكبرى (مثل انهيار العملة أو توقف التعليم) تسبب شعوراً بالعجز التام لصعوبة حلها.

هنا، يقوم العقل الجمعي بـ “إزاحة” هذا الإحباط المكتوم نحو أهداف سهلة؛ مثل انتقاد مشهور، أو الجدل حول عادات اجتماعية بسيطة. تؤكد دراسة نفذت عام(, 2026)” أن تآكل الأمن النفسي في اليمن دفع الأفراد نحو “التعويض الرقمي” لاستعادة شعور وهمي بالسيطرة والقدرة على التغيير.

صناعة “التريند” كبديل عن التطلعات الموؤودة

أدت الحرب إلى تحطيم تطلعات الشباب اليمني نحو المستقبل، مما خلق حالة من التخبط المعرفي. وفي ظل غياب المؤسسات الحاضنة، تحولت المنصات الرقمية إلى برلمانات شعبية تفتقر إلى البوصلة. وتتحول الى فقاعات استقطاب تساهم في تدوير القضايا التافهة وإعطائها صبغة القضايا المصيرية. هذا الضجيج يعمل كستار دخاني يغطي على الفشل في تحقيق الذات في الواقع الحقيقي المهدم.. ما يؤدي إلى مآلات تزييف الوعي واختلال المعايير.

إن خطورة هذا السلوك تكمن في تحول الهامش إلى مركز. ومع مرور الوقت، تتدنى معايير الحوار المجتمعي، وتنسحب النخب الحقيقية أمام صخب “الغوغائية الرقمية”.

لقد تسببت الحرب في قلب الهرم القيمي؛ فأصبح الاستعراض الرقمي أكثر جذباً من الإنجاز الواقعي المعطل قسراً. هذا الاختلال هو نتيجة مباشرة لتمزق العقد الاجتماعي الذي يربط الفرد بالدولة وبالعمل كقيمة عليا.

ما يظنه البعض تسلية” أو تخبطاً عفوياً هو في الحقيقة أثر جانبي لصدمة حضارية يعيشها اليمنيون. وعلاج ظاهرة صناعة الهوامش لا يتم بالموعظة، بل باستعادة كرامة الفرد من خلال العمل والإنتاج.

ما دامت “منظومة العلاقة بين الفرد والعمل” منهارة، سيظل الفضاء الرقمي هو المختبر الذي يُفرغ فيه اليمنيون قلقهم الوجودي، محولين أتفه الأمور إلى معارك كبرى، فقط ليشعروا أنهم ما زالوا على قيد الحياة في واقع يحاول تغييبهم.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

جريمة بشعة تهز عدن .. العثور على امرأة مقتولة داخل أحد الفنادق

كريتر سكاي | 286 قراءة 

بدء الحصار على مأرب وسط ترحيب شعبي واسع

كريتر سكاي | 210 قراءة 

غموض يلف رحيل ثلاثينية داخل فندق بالشيخ عثمان.. والتحقيقات الأولية تكشف عن سلاح ناري

العرش نيوز | 198 قراءة 

اليمن: التحقيق في ملابسات العثور على امرأة متوفاة داخل فندق بمدينة عدن

يمن فيوتشر | 170 قراءة 

الف ريال على كل غرابي في عدن

كريتر سكاي | 154 قراءة 

البخيتي والمقطري يتبادلان الاتهامات في سجال حاد حول قضية علي عشال

عدن الغد | 141 قراءة 

قطر تخصص تذاكر مجانية للجمهور اليمني لكأس العالم (تفاصيل)

كريتر سكاي | 139 قراءة 

شرطة الشيخ عثمان تفتح تحقيقًا في ملابسات وفاة داخل أحد فنادق عدن

الوطن العدنية | 123 قراءة 

رئيس وزراء باكستان يكشف تفاصيل اتفاق السلام بين واشنطن وطهران

الميثاق نيوز | 120 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الاول من محرم إجازة رسمية 

شمسان بوست | 118 قراءة