الصراع المؤجل في جنوب اليمن: بين نفوذ الرياض وطموحات أبوظبي

الصراع المؤجل في جنوب اليمن: بين نفوذ الرياض وطموحات أبوظبي

د. عبدالله عبدالصمد

يشهد جنوب اليمن مرحلة دقيقة ومعقدة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع التحولات الميدانية، في ظل إعادة رسم موازين النفوذ بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فبعد سنوات من حضور إماراتي فاعل عبر دعم تشكيلات عسكرية وسياسية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات واضحة على تراجع هذا الدور مقابل صعود ملحوظ للدور السعودي الذي بات أكثر مباشرة ووضوحًا في إدارة المشهد.

لقد أسست أبوظبي نفوذها في الجنوب عبر أدوات محلية، مستندة إلى دعم سياسي وعسكري مكّنها من التأثير في مفاصل القرار، خصوصًا في عدن وبعض المحافظات الاستراتيجية. إلا أن التطورات الأخيرة، بما فيها إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي، وظهور تحركات سعودية أكثر جرأة، تشير إلى تحول في موازين القوة، حيث تسعى الرياض إلى فرض واقع جديد قائم على إدارة مباشرة وغير معلنة لمؤسسات الدولة، سواء عبر التعيينات أو من خلال إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية.

هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث أدت التوترات في المنطقة، والحرب ذات الأبعاد الدولية، إلى تقارب مرحلي بين دول الخليج، فرضته الضرورات الأمنية ومخاطر التصعيد. غير أن هذا التقارب يبقى هشًا ومؤقتًا، تحكمه حسابات المصالح لا ثوابت التحالف، وهو ما يجعل احتمالية عودة التنافس بين الرياض وأبوظبي قائمة بقوة بمجرد تراجع الضغوط الخارجية.

في هذا الإطار، تبدو الاستراتيجية السعودية في الجنوب أكثر وضوحًا، حيث تسعى إلى تعزيز نفوذها في المحافظات الحيوية مثل عدن وحضرموت وشبوة والمهرة، ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضًا لاعتبارات استراتيجية تتعلق بالممرات البحرية وإيجاد بدائل تقلل من الاعتماد على الممرات الخاضعة للتوتر، وفي مقدمتها مضيق هرمز. وفي المقابل، من المتوقع أن تعتمد الإمارات أساليب غير مباشرة للحفاظ على نفوذها، عبر أدوات محلية أو من خلال سياسات إرباك واستنزاف تعيق أي هيمنة منفردة.

إن عودة التنافس بين الطرفين، إن حدثت، لن تكون بالضرورة مواجهة مباشرة، بل صراعًا متعدد الأدوات يأخذ أشكالًا سياسية واقتصادية وأمنية، وقد ينعكس سلبًا على استقرار الجنوب، ويدفع به نحو مزيد من التعقيد والفوضى، في حال غياب رؤية محلية موحدة قادرة على إدارة التوازنات.

من هنا، تبرز أهمية أن يدرك الفاعلون الجنوبيون أن المرحلة القادمة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي السياسي والاستقلالية في القرار، بعيدًا عن الارتهان لأي طرف خارجي. فالقضية الجنوبية، باعتبارها قضية شعب وهوية ومستقبل، لا يمكن أن تُختزل في أدوار وظيفية أو تحالفات ظرفية، بل تحتاج إلى مشروع وطني واضح يستند إلى إرادة شعبية حقيقية، ويقوم على مبدأ الشراكة المتكافئة مع الأطراف الإقليمية، لا التبعية لها.

إن الجنوب اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن يكون طرفًا فاعلًا يصوغ مستقبله وفق مصالحه وثوابته، أو أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، ويُكتب مستقبل قضية لا تزال تبحث عن مسارها العادل.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

كشف سر "فتاة فندق" عدن

العربي نيوز | 248 قراءة 

اعتقال عيدروس الزُبيدي دوليا

العربي نيوز | 210 قراءة 

الأمن يكشف لغز "أتوبيس أسود يتجول بعد منتصف الليل دون سائق!

الوطن العدنية | 195 قراءة 

تحالف جنوبي يقلب الطاولة!

العربي نيوز | 169 قراءة 

مشجعون يمنيون يثيرون ضجة بعد تداول صور لهم يمضغون القات في المونديال

نيوز لاين | 169 قراءة 

سياسي كويتي يعلق على إدراج "الزبيدي" ضمن طلب العقوبات في مجلس الأمن

موقع الأول | 143 قراءة 

الميسري يبحث مع بن بريك والسعيدي ترتيبات الحوار الجنوبي

شمسان بوست | 130 قراءة 

الثقلي يتساءل في مؤتمر رسمي بعدن: ما الذي يثبت يمنية سقطرى؟!

الوطن العدنية | 124 قراءة 

اشهار اول تحالف سياسي داخل عدن يعلن دعمه للدولة الإتحادية

عدن الغد | 105 قراءة 

على رأسهم عيدروس الزبيدي.. اليمن يطالب مجلس الأمن بمعاقبة معرقلي العملية السياسية

كريتر سكاي | 87 قراءة