حين تتحول خبرة الميدان إلى أداةٍ لإنتاج الاستقرار

حين تتحول خبرة الميدان إلى أداةٍ لإنتاج الاستقرار

المستشار سالم سلمان الوالي

في البيئات التي تتكثف فيها الأزمات، لا تكمن المشكلة في نقص الفاعلين، بل في غياب القدرة على تحويل أدوارهم إلى وظائف ضمن منظومةٍ متماسكة؛ فالدول، في مثل هذه اللحظات، لا تحتاج إلى مزيدٍ من الخطاب بقدر ما تحتاج إلى قيادةٍ قادرةٍ على قراءة الواقع كما هو، وإدارته ضمن حدود الممكن. وفي الجنوب، حيث تتقاطع التعقيدات الأمنية مع التباينات السياسية والضغوط الاقتصادية، لا يتبدّى الخلل في غياب القوة، بل في فائض استخدامها خارج إطارٍ منضبط؛ وهو فائضٌ، إن لم يُعاد تعريفه وظيفيًا، تحوّل من مصدرٍ للقوة إلى مولِّدٍ دائمٍ لعدم الاستقرار.

ومن ثمّ، فإن جوهر التحدي لا يكمن في استحداث قوى جديدة، بل في إعادة تنظيم ما هو قائم ضمن معادلةٍ تُفضي إلى الاستقرار. وفي هذا السياق، تبرز بعض الشخصيات لا بوصفها إضافةً عددية، بل كإمكانٍ لإعادة ترتيب التوازن؛ ومن بينها حالة أبو زرعة المحرمي، التي تستحق قراءةً وظيفيةً لا توصيفية، إذ لم يغادر الميدان عند اقترابه من مركز القرار، بل حمل معه خبرةً تشكّلت تحت ضغط الواقع، لا عبر المسارات المؤسسية التقليدية. وهذه السمة، في البيئات الهشّة، تمثل ميزةً نادرة؛ لأنها تُقلِّص الفجوة بين ما يُصاغ في التصورات وما يُنفَّذ على الأرض، وهي الفجوة التي طالما كانت مصدرًا بنيويًا للاختلال.

ولا يفتقر الجنوب إلى أدوات القوة، لكنه يفتقر إلى إطارٍ يعيد تعريف دورها؛ وعليه، لم يعد السؤال: من يمتلك النفوذ؟ بل: كيف يمكن توظيفه لإنتاج الاستقرار؟ فالقوة، حين تُترك خارج تعريفٍ وظيفيٍّ واضح، تميل إلى إعادة إنتاج الاستقطاب؛ أما حين تُدمج ضمن منظومة، فإنها تتحول إلى أداةٍ للتوازن. وهنا تتكامل الأدوار: قوةٌ عسكريةٌ منضبطة، ودورٌ سياسيٌّ متوازن، ووظيفةٌ اجتماعيةٌ تُعيد بناء الثقة، وبيئةٌ اقتصاديةٌ قابلةٌ للحياة. فالقضية، في جوهرها، ليست في حجم القوة، بل في كيفية إدارتها ضمن تصورٍ مؤسسيٍّ يحدّ من الفوضى ويعزّز الاستقرار.

كما أن الاستقرار الداخلي لا يمكن فصله عن محيطه الإقليمي والدولي؛ فالجنوب ليس فضاءً معزولًا، بل نقطة تقاطعٍ لمصالح أوسع، ما يجعل أي توازنٍ داخليٍّ غير متصلٍ بهذه المنظومة استقرارًا هشًا بطبيعته. وعليه، فإن قيمة أي دورٍ قياديٍّ تُقاس بقدرته على العمل ضمن مستويين متوازيين: إنتاج الاستقرار داخليًا، والاندماج ضمن منظومة استقرارٍ أوسع. وفي هذا الإطار، يمكن أن يمثّل توظيف حضور المحرمي نموذجًا لوظيفةٍ مزدوجة، تجمع بين الضبط الداخلي والقابلية للاندماج في معادلاتٍ أكبر.

وفي المحصلة، لا يُقاس الفاعلون بقدرتهم على فرض الحضور، بل بقدرتهم على إنتاج التوازن؛ فالتاريخ، في مثل هذه اللحظات، لا ينحاز للأقوى، بل للأقدر على إدارة القوة ضمن حدودٍ تُقلّل كلفة الصراع وتُعظّم فرص الاستقرار. ومن ثمّ، فإن القضية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بكيفية توظيفهم؛ غير أن تجاهل عناصر تمتلك خبرةً ميدانيةً واتصالًا مباشرًا بمراكز التأثير لا يُعدّ حيادًا، بل إهدارًا لفرصٍ كامنةٍ داخل بنية النظام ذاته.

إن الجنوب، في هذه المرحلة، لا يحتاج إلى إعادة تعريف أهدافه، بل إلى تحسين أدواته في إدارة الممكن؛ ففي البيئات المعقدة، لا يكون الفارق بين الفوضى والاستقرار نتيجة تحولاتٍ كبرى، بقدر ما يكون ثمرة قراراتٍ دقيقةٍ في كيفية استخدام ما هو متاح، وهي القرارات التي تصنع، في نهاية المطاف، الفرق بين واقعٍ يُدار وأزمةٍ تستمر.

المستشار

سالم سلمان

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

سياسي كويتي يعلق على إدراج "الزبيدي" ضمن طلب العقوبات في مجلس الأمن

موقع الأول | 370 قراءة 

إحالة ملف اغتيال قائد الفرقة الأولى مقاومة وطنية إلى القضاء بعد استكمال التحقيقات

حشد نت | 321 قراءة 

لقاء غير متوقع في الرياض: الميسري وجهاً لوجه مع قيادات الانتقالي بعد نفير 2019

كريتر سكاي | 224 قراءة 

أمريكا ترفض طلباً لعيدروس الزبيدي لزيارة الولايات المتحدة

كريتر سكاي | 194 قراءة 

الأمم المتحدة تزف بشرى لليمنيين

نيوز لاين | 191 قراءة 

الميسري يستقبل قائد اللواء الرابع حماية رئاسية ويبحث معه المستجدات الوطنية والعسكرية

باب نيوز | 187 قراءة 

اشهار اول تحالف سياسي داخل عدن يعلن دعمه للدولة الإتحادية

عدن الغد | 173 قراءة 

عاجل:وصوب تعزيزات مالية لمرتبات مايو

كريتر سكاي | 164 قراءة 

عاجل | توجيهات عليا بمصادرة الأموال والأصول المستولى عليها من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي وإعادتها إلى الخزينة العامة

صحيفة ١٧ يوليو | 148 قراءة 

حركة تعيينات واسعة في أقسام شرطة العاصمة عدن (تفاصيل القيادات الجديدة)

الوطن العدنية | 128 قراءة