في الأول من مارس/آذار 2018، استيقظت مدينة عدن على واحدة من أكثر الوقائع صدمة في تاريخ العمل الصحفي اليمني الحديث، حين اقتحم مسلحون مقر مطابع مؤسسة “الشموع” للصحافة والإعلام وأضرموا النار فيها، في حادثة وصفت حينها بأنها استهداف مباشر لوسيلة إعلامية بسبب مواقفها.
اليوم، يعيد رئيس المؤسسة سيف الحاضري فتح ذلك الملف، مستحضراً تفاصيل ما يسميه “محرقة الشموع”، ومشيراً بأصابع الاتهام إلى أجواء التحريض والصمت التي سبقت الجريمة، في سياق يتزامن مع اقتحام مسلحين موالين للمجلس الانتقالي الجنوبي مقر صحيفة “عدن الغد”، وما أسفر عنه من إصابة موظفين وتدمير ونهب محتويات المؤسسة.
من التحريض إلى الحريق
في مقال مطوّل نشره على حسابه في “فيسبوك”، اعتبر الحاضري أن ما تعرضت له مؤسسته لم يكن حادثاً أمنياً عابراً، بل “مساراً متكاملاً من الظلم” بدأ – بحسب تعبيره – بالتحريض العلني، ومرّ بصمت رسمي، وانتهى بالإهمال بعد وقوع الجريمة.
ويقول إن “الشموع” واجهت خلال سنوات عملها اعتداءات متعددة من أطراف مختلفة، من بينها جماعة الحوثي وتشكيلات مسلحة في الجنوب، مؤكداً أن “الذنب الوحيد” للمؤسسة كان تبنيها خطاباً داعماً للدولة والجمهورية في مراحل اتسمت بالاستقطاب الحاد.
الحاضري تحدث أيضاً عن تعرضه لخمس محاولات اغتيال، ثلاث منها في الجنوب واثنتان في صنعاء، دون – بحسب روايته – فتح تحقيقات جدية بشأنها.
فجر الاقتحام
يسرد الحاضري تفاصيل الساعات الأولى من يوم الحريق، قائلاً إنه كان داخل المطبعة حين اقتحمها مسلحون ووجّهوا السلاح إلى رأسه وإلى صدور العاملين، قبل إخراجهم بالقوة وتهديدهم بالقتل. ويضيف أنه شاهد بنفسه من قام بسكب الوقود داخل المطبعة وإشعال النار، ما أدى إلى احتراق الآلات وتدمير كامل للمقر.
ويصف تلك اللحظات بأنها لم تكن مجرد خسارة مادية، بل “محاولة لإحراق فكرة ورسالة امتدت لأكثر من عقدين”.
إنذار بالمغادرة
وبحسب روايته، لم يصدر عقب الحادث أي موقف رسمي واضح أو إعلان عن فتح تحقيق، مشيراً إلى أنه تلقى في اليوم ذاته رسالة تهديد تمنحه 48 ساعة لمغادرة عدن، ما اضطره إلى مغادرتها لاحقاً.
ويقول إنه توجّه بعد ذلك إلى الرياض بطلب من نائب الرئيس آنذاك، الفريق علي محسن، أملاً في متابعة القضية، غير أنه لم يلمس – وفق تعبيره – تعاطياً رسمياً يوازي حجم الحادثة.
لقاء بن دغر والرسالة المثيرة
الحاضري أشار في مقاله إلى لقاء جمعه برئيس الحكومة حينها أحمد عبيد بن دغر، حيث عاتبه على غياب أي تواصل رسمي عقب إحراق المؤسسة، مضيفاً أن اللقاء انتهى بعرض دعم مالي محدود اعتبره “إجراءً شكلياً لا يرقى إلى مستوى الجريمة”.
كما كشف عن رسالة لاحقة من بن دغر قال إنها تضمنت إشارة إلى أن مؤسسة “الشموع” ليست ملكاً له، بل تعود لنائب الرئيس، وهو ما اعتبره الحاضري مؤشراً على “محاولة التنصل من المسؤولية السياسية”.
"الصمت المناطقي"
وفي ختام مقاله، وسّع الحاضري دائرة النقد لتشمل ما وصفه بـ”الصمت المناطقي”، معتبراً أن بعض أشكال التجاهل لم تكن بريئة، بل نابعة من اصطفافات ضيقة جعلت الاعتداء على مؤسسة إعلامية يُنظر إليه باعتباره شأناً لا يعني الجميع.
ويأتي نشر هذه الشهادة في ظل تصاعد الانتهاكات ضد الحريات الصحفية في عدن، خصوصاً بعد اقتحام مقر “عدن الغد”، في واقعة أعادت إلى الأذهان مشاهد سابقة من استهداف وسائل إعلامية في المدينة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news