تواصل شركة موانئ دبي الإماراتية تشغيلها ميناءي بربرة (أرض الصومال) وبوصاصو (إقليم بونتلاند) على الرغم من القرار الحكومي الصومالي الذي ألغى الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات بشأن تولي إدارة موانئ البلاد وتشغيلها، وهو ما عدَّه مراقبون تجاوزاً سيادياً في قانونية عمل تلك الشركة في تلك الموانئ.
وفي التفاصيل، أعلن مجلس الوزراء الصومالي، الذي يمثل الحكومة الفيدرالية في البلاد، إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة بين الصومال والإمارات في 12 يناير/كانون الثاني الجاري. وقال إن القرار يهدف إلى حماية سيادة الدولة والحفاظ على وحدة أراضيها ونظامها الدستوري.
وأكدت الحكومة أنها قامت بتقييم شامل للتطورات الأخيرة، قبل أن تقرر إلغاء جميع الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة مع الإمارات، بما في ذلك المبرمة مع المؤسسات الحكومية، والهيئات الإدارية، والجهات ذات الصلة، وكذلك الاتفاقيات التي أُبرمت مع الإدارات الإقليمية القائمة داخل البلاد. ويشمل القرار مختلف أوجه التعاون في موانئ بربرة في أرض الصومال، وبوصاصو في بونتلاند، وكيسمايو في جوبالاند.
نزاع حول قانونية العمل
وقعت شركة "موانئ بي آند أو" (تابعة لشركة موانئ دبي العالمية الحكومية)، في 2017، وفق وكالة الأنباء الإماراتية "وام" حينها، اتفاقية لإدارة وتطوير ميناء بوصاصو لمدة 30 عاماً بقيمة 336 مليون دولار.
ووفق الوكالة نفسها، في 2017 أيضاً، وقعت شركة "موانئ دبي العالمية" مع سلطة إقليم أرض الصومال اتفاقية لبناء وتطوير ميناء بربرة لمدة 30 عاماً، وذلك بكلفة نحو 442 مليون دولار. وفي 2018، أعلنت الشركة أن الاتفاقية بين حكومة أرض الصومال وإثيوبيا لتطوير ميناء بربرة قانونية ولا تمس سيادة دولة الصومال.
وقد بلغ الخلاف ذروته في مارس/آذار 2018 حين صوّت البرلمان الصومالي على منع شركة موانئ دبي العالمية من العمل داخل الأراضي الصومالية، واعتبر الاتفاق الموقع مع سلطات الإقليم الشمالي اتفاقاً باطلاً وغير ذي صفة قانونية، مطالباً الحكومة باتخاذ إجراءات لحماية الدستور والسيادة الوطنية.
في ضوء التوتر القائم بين الصومال ودولة الإمارات، يبرز احتمال حقيقي لتنامي حالة عدم اليقين الاستثماري، ولا سيما في القطاعات الحساسة المرتبطة بالموانئ والخدمات اللوجستية، وعلى رأسها مشروعات ميناء بوصاصو في بونتلاند وميناء بربرة في أرض الصومال. هذا المناخ الضبابي قد ينعكس سلباً، وفق المحللين، على ثقة المستثمرين، ويدفع بعضهم إلى تجميد أو تأجيل خطط التوسعة والتحديث في انتظار وضوح المسار السياسي والقانوني للعلاقات بين الطرفين.
ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة الصومال الدكتور عبدالعزيز محمد حسن، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن المخاوف المتعلقة بنشوب أزمة دبلوماسية ذات أبعاد اقتصادية بين الدولتين محتملة في كل وقت، وهذه المخاوف تضيف وزناً إضافياً إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الموانئ تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد الصومالي؛ إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 80% من التجارة الخارجية للصومال تمر عبر الموانئ البحرية، فيما تعتمد الخزينة العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات الجمركية التي تشكل ما بين 35% و45% من الإيرادات الحكومية في بعض السنوات.
ويضيف عبدالعزيز أن تداعيات أي توتر دبلوماسي اقتصادي بين مقديشو وأبوظبي قد تمتد آثاره إلى سوق العمل، إذ توفر الموانئ والأنشطة المرتبطة بها مثل النقل البري، والتخزين، والتخليص الجمركي، والخدمات المساندة آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. إلى جانب ذلك، قد تتأثر ثقة التجار والقطاع الخاص المحلي، وهو ما قد يبطئ إطلاق استثمارات جديدة في قطاعات مرتبطة بالتجارة الخارجية، مثل الصناعات الخفيفة والخدمات اللوجستية، خاصة في ظل اعتماد السوق الصومالية بدرجة كبيرة على الواردات، وفق عبد العزيز.
وقالت شركة موانئ دبي العالمية، المملوكة لحكومة دبي، في 13 يناير/ كانون الثاني رداً على قرار إلغاء عملياتها في موانئ الصومال، إن عملياتها في ميناء بربرة بمنطقة أرض الصومال الانفصالية مستمرة بما يتماشى مع الاتفاقيات القائمة، وذلك وسط توتر إقليمي في أعقاب التصعيد في اليمن المجاور.
وأوضحت الشركة الإماراتية قائلة "نركز على التشغيل الآمن والفعال للميناء وعلى تقديم تسهيلات تجارية وفوائد اقتصادية لأرض الصومال ومنطقة القرن الأفريقي الأوسع"، مضيفة أن الأسئلة المتعلقة "بالقرارات السياسية أو المناقشات بين الحكومات أو المواقف الدبلوماسية يجب أن توجه إلى السلطات المعنية".
تقليل الخسائر
من المرجح أن تسعى بونتلاند وأرض الصومال، بحسب عبد العزيز، إلى تقليل الخسائر المحتملة عبر التمسك بالاتفاقيات القائمة والعمل على تنويع الشراكات الاقتصادية، سواء مع شركات إقليمية أو دولية بديلة، مستندة إلى الأهمية الاستراتيجية لموانئها وموقعها على طرق التجارة في خليج عدن والبحر الأحمر. وبصورة عامة، فإن الأثر الأبرز للنزاع يتمثل في ارتفاع منسوب المخاطر وعدم اليقين الاستثماري، مع احتمال تسجيل تراجع محدود في مستويات التجارة وفرص العمل على المدى القصير، مقابل محاولات محلية وإقليمية لاحتواء هذه التداعيات والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي الحيوي المرتبط بالموانئ.
وحول أسباب عدم انصياع شركة موانئ دبي للقرارات الصادرة من الحكومة الصومالية في مراحل مختلفة عامي 2018 و2026 لإنهاء عمليات تشغيلها لتلك الموانئ، يُعزى ذلك إلى عدم قدرة الحكومة الفيدرالية على فرض قراراتها في إقليمي بونتلاند وأرض الصومال، ذات العلاقات المشتركة مع الإمارات، وهو ما قد يضر مستقبلاً التعاون الدبلوماسي والاقتصادي بين مقديشو وأبوظبي.
وفي السياق، يقول محمود محمد عبدي، الباحث الصومالي المقيم في هرجيسا (عاصمة أرض الصومال) لـ"العربي الجديد"، إنه في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها القرن الأفريقي، يمكن قراءة خطوة الحكومة الفيدرالية الصومالية المتعلقة بإلغاء أو الاعتراض على اتفاقيات تشغيل الموانئ باعتبارها موقفاً سياسياً رمزياً أكثر منها إجراءً قادراً على إحداث تغيير فعلي على الأرض. فعلى الرغم من التصعيد الخطابي والاتهامات الموجهة إلى دولة الإمارات، فإن مشروع تطوير ميناء بربرة، الذي تتولاه شركة موانئ دبي العالمية، ما يزال يستند إلى اتفاق تعاقدي محدد الأطر والمدة مع سلطة محلية تفرض سيطرتها الكاملة على الميناء، وهو ما يحد عملياً من هامش تدخل مقديشو.
وبحسب عبدي، فإن موانئ دبي العالمية تتمتع، بصفتها شركة دولية تعمل وفق منظومة استثمارية عابرة للحدود، بحماية قانونية تستند إلى قواعد القانون التجاري الدولي، ما يجعلها خارج نطاق التأثر المباشر بالقرارات السياسية الأحادية الصادرة عن الحكومة الفيدرالية. وعليه، فإن الخطوة الصومالية لا تتجاوز في تأثيرها البعد السياسي والرمزي، وتُوظَّف أساساً لإبراز موقف سيادي أو تسجيل اعتراض سياسي، دون أن تشكل أداة عملية لتعطيل مشاريع قائمة أو فرض وقائع جديدة.
ويشير محمود إلى أن السياق المحلي لا يُرجَّح أن يفضي هذا القرار إلى تغيير جوهري في المعادلة السياسية داخل صوماليلاند، بل قد يدفعها إلى مزيد من التمسك بإدارة مواردها الاقتصادية بمعزل عن الحكومة المركزية. أما في بونتلاند، فيبقى صدى القرار محدوداً، إذ تنظر إليه السلطات المحلية باعتباره امتداداً لخلافات قديمة مع مقديشو حول تقاسم الصلاحيات الاقتصادية وإدارة الموارد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news