في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، حين تختلط تضحيات الميدان بحسابات السياسة، يطفو السؤال الكبير: هل تستطيع الصفقات أن تمحو ما خطّته دماء الشهداء؟ وهل يمكن للضغوط والتهديدات ومحاولات تطويع الإرادة أن تنتصر على شعب قدّم أغلى ما لديه دفاعًا عن حريته وكرامته؟
اليوم يقف الجنوب أمام منعطف بالغ الحساسية، حيث تتقاطع إرادة شعب متمسك بحقه في استعادة دولته مع مساعٍ إقليمية ودولية لإعادة تشكيل المشهد بما لا ينسجم مع حجم التضحيات التي قُدمت على الأرض.
في الجبهات، لا يزال الجنوبيون يواجهون الحوثيين والتنظيمات المتطرفة، ويدفعون ثمنًا بشريًا مستمرًا، بينما تجري في الكواليس تحركات سياسية متسارعة تحت عناوين “التسوية” و”الحلول الشاملة”. غير أن هذه التحركات – وفق مراقبين – لا تضع تطلعات الجنوبيين في صدارة أولوياتها، بل تركز على إعادة هندسة التوازنات السياسية بطريقة قد تُضعف الكيانات التي تمثلهم.
المشهد لم يعد مجرد خلاف سياسي تقليدي، بل صراع على شكل المستقبل وهوية الأرض. الجنوب الذي يرى قضيته قضية شعب يسعى لتقرير مصيره، يجد نفسه في مواجهة مشاريع تعيد إنتاج صيغ سابقة لم تنجح في تحقيق الاستقرار أو العدالة.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار الدولية إلى مسار التسوية في اليمن، يشعر كثير من الجنوبيين أن قضيتهم تُدفع إلى الهامش، وأن الضغوط تمارس لإدماجهم في ترتيبات سياسية لا تعكس واقعهم ولا تضحياتهم.
ما يدور في أروقة التفاوض لا يُنظر إليه جنوبياً كحوار متكافئ، بل كمسار تمارس فيه ضغوط سياسية لإعادة تشكيل القيادة والتمثيل، تحت مسميات دبلوماسية جذابة، لكنها تثير مخاوف من الالتفاف على جوهر القضية الجنوبية.
وبين تعقيدات الإقليم وحسابات العواصم، يبقى السؤال معلقًا: هل تُبنى التسويات على تجاهل إرادة الشعوب، أم أن أي حل لا يستند إلى قبول الناس على الأرض سيظل هشًا، مهددًا بالانهيار عند أول اختبار حقيقي؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news