لم تكن واقعة إجبار مليشيا الحوثي طائرة مدنية على العودة من
مطار المخا الدولي
مجرد خرق أمني عابر، بل تمثل مؤشرًا خطيرًا على تصعيد ممنهج يستهدف قطاع الطيران المدني اليمني، ويكشف عن مساعٍ حوثية لتحويل المجال الجوي إلى أداة ضغط سياسي وعسكري، في انتهاك صارخ للقانون الدولي ولسلامة الملاحة الجوية.
الحادثة أعادت إلى الواجهة سؤالًا محوريًا يتعلق بجدوى سياسة التعاطي الدولي الحالي مع الجماعة، وحدود الاكتفاء بالإدانة، في ظل سلوك يتجاوز منطق “طرف النزاع” إلى ممارسات تنظيمات تهدد الأمن الإقليمي والدولي.
الطيران المدني في مرمى الابتزاز الحوثي
تشير معطيات ميدانية إلى أن الحوثيين يتعاملون مع المطارات والأجواء اليمنية باعتبارها ورقة سيادية بديلة عن الشرعية الغائبة، إذ سبق للجماعة استهداف مطارات مدنية، وتعطيل حركة الطيران، وفرض قيود قسرية على الرحلات، في تحدٍ مباشر لاتفاقيات الطيران المدني الدولي، وعلى رأسها اتفاقية شيكاغو التي تجرّم تسييس الملاحة الجوية أو استخدامها لأغراض عسكرية.
ويرى خبراء أن حادثة مطار المخا تؤكد انتقال الجماعة من مرحلة التعطيل غير المباشر إلى فرض السيطرة القسرية على الحركة الجوية، بما ينذر بمخاطر جسيمة على أمن المسافرين وشركات الطيران، ويضع اليمن في دائرة الدول غير الآمنة جويًا.
إخفاق سياسة الاحتواء
طوال السنوات الماضية، اعتمد المجتمع الدولي مقاربة قائمة على الاحتواء وتقديم تسهيلات إنسانية، لا سيما في ملف مطار صنعاء، غير أن هذه السياسة—بحسب مراقبين—أفرزت نتائج عكسية، إذ استغلت الجماعة تلك التسهيلات لتعزيز نفوذها السياسي، وتكريس صورة زائفة للسيادة، دون أي التزام بقواعد الطيران أو الحياد المدني.
حادثة مطار المخا تمثل، وفق هذا التوصيف، نقطة فاصلة تؤكد أن سياسة التساهل لم تعد قابلة للاستمرار.
مسارات الضغط المعاكس: من الرد الدفاعي إلى الردع الفعّال
في ضوء التصعيد الحوثي، تبرز مجموعة من الخيارات العملية التي يمكن أن تشكل إطارًا لسياسة ضغط معاكس، تستهدف تقليص قدرة الجماعة على العبث بقطاع الطيران:
1. تجريد الحوثيين من امتياز السفر الجوي
يرى مختصون أن السماح بسفر قيادات الحوثي عبر مطار صنعاء يمثل ثغرة سياسية وأمنية، ويشكل تناقضًا مع منظومة العقوبات الدولية. ويؤكدون أن وقف سفر القيادات والعناصر المرتبطة بالجماعة خطوة ضرورية لإغلاق باب الاستغلال السياسي واللوجستي للطيران المدني.
2. استعادة القرار السيادي للملاحة الجوية
نقل إدارة الملاحة الجوية من صنعاء إلى المناطق المحررة لم يعد خيارًا تقنيًا، بل ضرورة سيادية وأمنية. فبقاء هذا القطاع الحساس تحت سيطرة جماعة مسلحة يمنحها قدرة على التحكم بمسارات الطيران وتهديد سلامته، ويضع شركات الطيران أمام مخاطر قانونية وأمنية جسيمة.
3. تغيير توصيف الحوثي في ملفات الطيران والملاحة
تتزايد الدعوات لإعادة توصيف الحوثيين في ملفات الملاحة الجوية والبحرية، بوصفهم تهديدًا مباشرًا لأمن النقل الدولي، لا مجرد طرف محلي في نزاع داخلي. هذا التحول يفتح المجال أمام إجراءات ردع أكثر صرامة، تشمل قيودًا على التعامل الفني واللوجستي معهم.
ما بعد المخا: اختبار للإرادة الدولية
تكشف حادثة مطار المخا أن الجماعة ماضية في اختبار حدود الرد الدولي، واستخدام القطاعات المدنية كساحات صراع بديلة. ويرى مراقبون أن الرد الحقيقي لا يكمن في بيانات الشجب، بل في قرارات عملية تعيد الاعتبار لسيادة الدولة اليمنية، وتحمي الطيران المدني من التحول إلى رهينة بيد المليشيا.
ويخلص محللون إلى أن الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع المنظم—سياسيًا وقانونيًا وتقنيًا—بات ضرورة ملحة، ليس فقط لحماية اليمن، بل للحفاظ على أمن الملاحة الجوية في المنطقة بأكملها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news