في منطقة الجابية بمحافظة شبوة، لا تزال المنازل والحصون الطينية صامدة منذ أكثر من أربعة قرون، شاهدة على أسلوب حياة بسيط ارتبط بالإنسان والطبيعة، وموثّقة لذاكرة أجيال تعاقبت داخل جدرانها السميكة.
العم محسن، أحد أبناء المنطقة، يستعيد ذكرياته مع تلك البيوت قائلاً: «هذا بيت جدي، عاش فيه أبي رحمه الله، وهنا كبرنا». ويضيف أن بيوت الطين كانت هي السائدة في ذلك الزمن، خالية من الإسمنت أو مواد البناء الحديثة، حيث اعتمد الأهالي على الطين المخلوط بمواد طبيعية، من بينها مخلفات الأبقار، لإكساب الجدران صلابة وقدرة على مقاومة الحرارة.
ويشير إلى أن هذه البيوت وفّرت بيئة معيشية متكاملة؛ فهي باردة في فصل الصيف ودافئة في الشتاء، بفضل سماكة جدرانها وكتلتها الحرارية العالية، كما كانت المجالس تُجهز بالحطب، ويُعد فيها الخبز والقهوة في مواقد تقليدية تُعرف محليًا بـ«الجلب».
ويُستخدم في البناء ما يُعرف محليًا بـ«المدر» أو «اللبن» أو «الملبن»، وهو طين مختار بعناية من حيث الجودة، يُحضّر ويُترك لفترة حتى يصبح صالحًا للبناء. أما الواجهات الخارجية، فكانت تُغطى بطبقة من «النورة» لمنح المبنى مزيدًا من العزل والدفء.
وتتميز المباني الطينية في الجابية بتنوع أشكالها ومسمياتها، مع اشتراكها في الزخارف الجمالية، إذ يصل ارتفاع بعضها إلى سبعة طوابق أو أكثر، اعتمادًا على سماكة القواعد وقوة الأساسات. ويُبنى الطابق تلو الآخر على مراحل، تفصل بينها فترات زمنية قد تمتد لعدة أشهر، حتى يجف البناء ويصبح قادرًا على تحمّل الطابق التالي، في عملية هندسية دقيقة توارثها الأهالي جيلاً بعد جيل.
هذه البيوت والحصون ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل تمثل هندسة عمرانية متكاملة شيدها الأجداد، وتحولت اليوم إلى معالم تراثية تجذب الأحفاد والزائرين، لما تحمله في زواياها من قصص، وحنين إلى الماضي، وقيم البساطة وقوة الترابط الاجتماعي التي ميزت حياة سكان المنطقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news