استأنفت مليشيا الحوثي تهديداتها ضد المملكة العربية السعودية، بالتزامن مع تحشيدات عسكرية واسعة في مختلف المحافظات، تشمل عناصرها المسلحة والطلاب والموظفين وفئات اجتماعية متعددة.
تقارير حقوقية وثقت أعدادًا كبيرة لهذه التحركات الحوثية في محافظات مثل حجة والمحويت وإب ومأرب والضالع ولحج والبيضاء والجوف، مما يوحي بمرحلة تصعيدية جديدة وتحضير لمعركة محتملة لا تقتصر على مواجهة داخلية بل تشمل تهديدات مباشرة للمملكة.
هذه التحركات -بحسب مراقبين- تعكس إستراتيجية حوثية ممنهجة للهروب من أي مسار سياسي أو سلام محتمل، وتحويل المجتمع اليمني تدريجيًا إلى "مجتمع حرب" متواصل، حيث تبدو كل لحظة تهدئة مجرد مرحلة مؤقتة قبل الانتقال إلى المواجهة التالية.
يأتي هذا في الوقت الذي تحاول فيه المليشيا تعطيل جهود المملكة الرامية لتوحيد القرار السياسي والعسكري تحت قيادة الشرعية، مستغلة أي فراغ أمني أو سياسي لتعزيز نفوذها، وإطالة أمد النزاع، وإعادة فرض هيمنتها على الأرض، بما يضع اليمن في دائرة صراع لا تنتهي.
تصعيد إعلامي ضد السعودية
كما كثفت مليشيات الحوثي حملاتها الإعلامية المنظمة ضد المملكة العربية السعودية، وذلك في إطار حملة ممنهجة، اتسمت بتزامن الخطاب وتكراره، وتركزت بشكل خاص على مهاجمة المملكة العربية السعودية، واتهامها بالوقوف خلف ما وصفته بـ"مشاريع الهيمنة والعدوان" في المنطقة.
وقد قاد هذه الحملة قيادات بارزة في المليشيا عبر منصة "إكس"، مستخدمين لغة تصعيدية غير مسبوقة، أعادت إلى الأذهان خطاب ما قبل جولات التصعيد الكبرى خلال السنوات الماضية. واللافت في هذه الحملة أنها لم تقتصر على التحريض السياسي، بل تضمنت رسائل تهديد مبطنة، واستحضارًا متعمدًا لسيناريوهات المواجهة العسكرية، وربطًا مباشرًا بين التوتر الإقليمي الجاري ومستقبل الصراع في اليمن.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التصعيد الإعلامي جاء متزامنًا مع إعادة نشر مشاهد قديمة لعمليات استهداف سفن في البحر الأحمر وخليج عدن، في رسالة واضحة مفادها أن المليشيا لا تزال تحتفظ بقدرتها على تهديد الملاحة الدولية، وأنها قادرة على إعادة خلط الأوراق متى ما رأت ذلك مناسبًا.
الإعلام الحوثي كأداة تهديد
وفي هذا الصدد، أعاد الحوثيون مؤخرًا بث تسجيلات قديمة لعملية استهداف السفينة البريطانية مارلين لواندا في خليج عدن، بعد قرابة عامين من تنفيذ العملية، في توقيت لا يمكن فصله عن تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.
وبحسب تحليل مركز واشنطن للدراسات اليمنية، فإن إعادة نشر هذه المشاهد لا تندرج ضمن سياق توثيقي أو إعلامي، بل تمثل رسالة تهديد محسوبة تهدف إلى إحياء المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة، دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
فالفيديو، الذي أُرفق بعبارة "ما هو قادم أعظم"، ليس استعادة لمشهد قديم، بل محاولة لبعث رسالة مزدوجة الأولى موجهة إلى المجتمع الدولي بأن المليشيا ما زالت تمتلك القدرة على تعطيل الممرات البحرية، والثانية موجهة إلى الداعمين الإقليميين بأن الحوثيين لا يزالون ورقة ضغط قابلة للاستخدام في أي لحظة.
ويشير التقرير إلى أن توقيت إعادة بث المشاهد، في ظل التصعيد الأمريكي ضد إيران، يعكس سعي الحوثيين للظهور كجزء من منظومة الردع الإقليمية، ومحاولة استثمار التوتر الدولي لإعادة تسويق أنفسهم كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلات البحر الأحمر وباب المندب.
عسكرة المجتمع
بالتوازي مع التصعيد الإعلامي، كثّفت مليشيا الحوثي من تحركاتها الميدانية، خصوصًا في محافظات إب، وذمار، والمحويت، وحجة، وأطراف من تعز والضالع، ناهيك عن مأرب والجوف وحجة.
وحسب مصادر مطلعة، فقد شملت هذه التحركات حملات تعبئة واسعة استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من طلاب المدارس والجامعات، إلى الموظفين الحكوميين، مرورًا بالقبائل، في مشهد يعكس عودة واضحة إلى إستراتيجية "التجنيد الشامل".
وتؤكد مصادر محلية أن المليشيا أعادت تفعيل معسكرات تدريب داخلية، ونظمت دورات تعبئة فكرية ذات طابع طائفي، بالتوازي مع استعراضات عسكرية علنية، في محاولة لإعادة إنتاج مشهد الحرب كحالة طبيعية في الوعي الجمعي للمجتمع.
تقارير ميدانية أكدت دفع الحوثيين بتعزيزات عسكرية كبيرة من صنعاء وذمار نحو جبهات الضالع وتعز، إضافة إلى إنشاء معسكرات جديدة، وشق طرق عسكرية فرعية، واستقدام مقاتلين جدد، كثير منهم جُنّدوا قسرًا أو بدوافع اقتصادية.
وفي تعز، تحديدًا، ظهرت ملامح هذا التصعيد من خلال تنظيم مسيرات مسلحة، وإعادة هيكلة وحدات عسكرية تابعة للمليشيا، في محاولة لفرض واقع أمني جديد، وسط تراجع واضح في القبول الشعبي للمليشيا، وتزايد حالات التذمر داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ويؤكد مراقبون أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن حالة الانكماش الشعبي التي تواجهها المليشيا في مناطق سيطرتها، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتفشي الفساد، وتراجع قدرتها على توفير الحد الأدنى من الخدمات. فالحرب، في هذا السياق، تمثل للحوثيين وسيلة للهروب من الاستحقاقات الداخلية، وإعادة توجيه الغضب الشعبي نحو "عدو خارجي".
وبحسب مراقبين فإن هذا السلوك يعكس قناعة راسخة لدى الحوثيين بأن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لضمان بقائهم، وأن أي تهدئة حقيقية قد تفضي إلى تفكك بنيتهم الداخلية، وانكشاف أزمتهم الاقتصادية والاجتماعية.
الهروب من السلام
في الوقت الذي تبدي فيه الحكومة اليمنية الشرعية انفتاحًا على المسارات السياسية، وتؤكد التزامها بخيار السلام، تواصل مليشيا الحوثي نهجها القائم على المراوغة، مستفيدة من حالة التراخي الدولي، ومن الرغبة الغربية في تجنب انفجار إقليمي واسع.
ويؤكد مراقبون أن التحركات الأخيرة تكشف أن المليشيا الحوثية لا تنظر إلى السلام كحل، بل كتهديد وجودي، لأنه يسحب منها مبررات السلاح، ويعيد طرح الأسئلة المؤجلة حول شرعيتها، وانتهاكاتها، ومستقبل سلطتها القائمة على القوة والإرهاب.
وبالتالي، فإن التصعيد الحالي لا يمكن فصله عن محاولة الحوثيين تعطيل أي مسار يقود إلى توحيد القرار السياسي والعسكري في اليمن تحت مظلة الدولة الشرعية، خصوصًا في ظل الجهود السعودية الرامية إلى إعادة ترتيب المشهد اليمني، وإنهاء حالة التشظي الأمني والعسكري.
فعلى عكس ما تروج له المليشيا من خطاب سياسي، تشير الوقائع إلى أن الحوثيين ينظرون إلى أي مسار سلام حقيقي باعتباره تهديدًا مباشرًا لبقائهم، وليس فرصة لإنهاء الصراع، فالسلام في نظرهم يعني تفكيك بنيتهم العسكرية الموازية للدولة، وإنهاء منطق التعبئة الأيديولوجية، وفتح ملفات الانتهاكات والفساد، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية، وخسارة الامتيازات الاقتصادية التي راكمتها المليشيا خلال سنوات الحرب.
الحوثي كورقة إيرانية
لا يمكن فهم التصعيد الحوثي بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، خصوصًا في ظل التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، والحديث المتكرر عن خيارات عسكرية محتملة في حال فشل المسار الدبلوماسي.
حيث تشير المعطيات المتوافرة إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا التصعيد مرتبط بشكل مباشر بالتطورات داخل إيران، حيث تواجه طهران ضغوطًا غير مسبوقة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
وفي هذا السياق، تبدو المليشيا الحوثية إحدى الأدوات الأكثر جاهزية للاستخدام بل أهم الأوراق التي تحتفظ بها إيران في الإقليم، سواء عبر تهديد الملاحة الدولية، أو خلق بؤر توتر على تخوم السعودية، أو إرسال رسائل غير مباشرة إلى واشنطن وحلفائها.
نقل منصات صواريخ بحرية إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وإعادة التلويح باستهداف السفن، يكشفان بوضوح أن الحوثيين يتحركون ضمن هامش مرسوم بدقة، يخدم إستراتيجية إيرانية أوسع قائمة على تصدير الأزمات وتوسيع رقعة الاشتباك غير المباشر.
ويشير مراقبون إلى أن إعادة التلويح الحوثي باستهداف السفن، أو التهديد بإغلاق الممرات البحرية، لا يأتي من فراغ، بل يمثل رسالة سياسية موجهة للغرب مفادها أن أي ضغط على إيران ستكون له كلفة إقليمية باهظة.
مشروع طويل الأمد
الأخطر في سلوك الحوثيين لا يتمثل فقط في التصعيد العسكري، بل في محاولتهم الممنهجة لتحويل المجتمع اليمني إلى مجتمع حرب دائم.
فمن خلال التعبئة الطائفية، واستهداف التعليم، وتجريف الهوية الوطنية، وتسويق فكرة "المعركة المستمرة"، تعمل المليشيا الحوثية على خلق جيل مشبع بثقافة القتال، منزوع الأمل، مرتبط وجوديًا بالحرب.
وتشير تقارير حقوقية إلى تصاعد عمليات تجنيد القاصرين، وإخضاع المجتمعات المحلية لخطاب تعبوي قسري، في وقت تتدهور فيه الأوضاع المعيشية بشكل غير مسبوق، وتغيب فيه أي مؤشرات على تحسن اقتصادي أو إنساني.
ويؤكد مراقبون أن ما تقوم به مليشيا الحوثي من تحركات عسكرية واسعة تعد جزءا من إستراتيجية متكاملة تهدف إلى الهروب من استحقاقات السلام، وإعادة إنتاج دور الحوثي كأداة إقليمية، وإفشال أي مساع لتوحيد القرار اليمني وخاصة القرارين الأمني والعسكري وتوحيد القوات المسلحة والأمن.
كما تسعى المليشيا الحوثية من خلال تحركاتها الأخيرة إلى ابتزاز المجتمع الدولي عبر ورقة الملاحة البحرية، وتكريس واقع الحرب كخيار وحيد للبقاء.
وفي ظل غياب موقف دولي حازم، واستمرار التعامل البراغماتي مع المليشيا الحوثية، يحذر مراقبون أن المنطقة قد تبدو مقبلة على مرحلة أكثر اضطرابًا، يكون فيها اليمن مرة أخرى ساحة تصفية حسابات، يدفع ثمنها المدنيون، ويُستثمر فيها الحوثيون كورقة ابتزاز لا أكثر.
بين الحملات الإعلامية والتحشيدات العسكرية.. ما وراء التصعيد الحوثي ضد السعودية؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news