في أزقة الأسواق الشعبية، وعلى رفوف المحال التجارية في صنعاء ومحافظات أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، يلاحظ المتسوقون حضورًا متناميًا لمنتجات تحمل منشأً إيرانيًا، تمتد من المواد الغذائية والأدوية، وصولًا إلى السلع الاستهلاكية اليومية. ظاهرة لم تعد عابرة، بل باتت تشكّل ملامح جديدة لمشهد اقتصادي يتغير بهدوء، وسط تساؤلات عن الجهات التي تقف خلف هذا التدفق، وأبعاده الاقتصادية والسياسية.
توسع غير طبيعي… وأسئلة عن القنوات
تجار محليون تحدثوا عن زيادة ملحوظة في كميات السلع الإيرانية المعروضة، مقارنة بالسنوات السابقة، مؤكدين أن دخولها يتم بوتيرة منتظمة رغم القيود المفروضة على الاستيراد، وانهيار البنية التجارية الرسمية في البلاد.
وبحسب مصادر تجارية، فإن هذه المنتجات تصل إلى الأسواق عبر قنوات لا تخضع للإجراءات الجمركية المعتادة، ما يثير شبهات حول وجود شبكة استيراد موازية، تحظى بحماية ونفوذ مباشر من قبل مليشيا الحوثي المسيطرة على المنافذ البرية والبحرية.
الحوثيون والاقتصاد الموازي
يرى خبراء اقتصاديون أن الجماعة الحوثية لم تعد فاعلًا عسكريًا فحسب، بل تحوّلت إلى لاعب اقتصادي يدير سوقًا موازية، تُستخدم كمنصة لتصريف منتجات إيرانية في بلد يعاني من ضعف الرقابة وتفكك مؤسسات الدولة.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا الدور ينسجم مع استراتيجية إيرانية أوسع، تقوم على استخدام الجماعات المسلحة الحليفة كأدوات اقتصادية، تسهم في تخفيف أثر العقوبات المفروضة على طهران، عبر فتح أسواق بديلة خارج المنظومة التجارية الرسمية.
منافذ تحت السيطرة… وسوق بلا منافسة
تفرض مليشيا الحوثي سيطرتها على موانئ حيوية ومنافذ برية رئيسية، ما يمنحها القدرة على توجيه حركة الاستيراد، وتحديد نوعية السلع التي تدخل السوق. ويؤكد مراقبون أن هذه السيطرة استُخدمت لفرض واقع تجاري يخدم المنتجات الإيرانية، على حساب السلع المحلية أو المستوردة من دول أخرى.
ويقول تجار إن المنافسة باتت غير متكافئة، إذ تُطرح المنتجات الإيرانية بأسعار أقل، نتيجة إعفائها من الرسوم أو دخولها بطرق غير رسمية، ما أدى إلى خروج عدد من التجار المحليين من السوق، وتراجع الصناعات الصغيرة.
جودة غائبة ومخاطر على المستهلك
إلى جانب الأبعاد الاقتصادية، يثير انتشار هذه المنتجات مخاوف صحية، خصوصًا في ما يتعلق بالأدوية والمواد الغذائية، في ظل غياب الجهات الرقابية، وعدم خضوع كثير من هذه السلع للفحص أو المواصفات المعتمدة.
ويحذّر مختصون من أن المستهلك اليمني أصبح الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، بين تدهور القدرة الشرائية، وغياب البدائل، وانتشار منتجات لا يُعرف مدى سلامتها أو مطابقتها للمعايير.
إيران وشبكة الاقتصاد غير المشروع
تقارير دولية متعددة تشير إلى أن إيران تعتمد، إلى جانب أدواتها العسكرية، على شبكات اقتصادية غير رسمية تديرها جماعات مسلحة موالية لها في عدد من دول الشرق الأوسط. هذه الشبكات تلعب دورًا في تسهيل التهريب، وخلق أسواق موازية للمنتجات الإيرانية، مستفيدة من النزاعات وضعف مؤسسات الدولة.
ويضع مراقبون اليمن ضمن هذه الخارطة، باعتباره بيئة مناسبة لتوسيع هذا النوع من النشاط، في ظل الحرب المستمرة، والانقسام السياسي، وغياب الرقابة.
تداعيات بعيدة المدى على الاقتصاد اليمني
يحذّر اقتصاديون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى نتائج خطيرة، أبرزها تعميق تبعية السوق اليمنية للخارج، وتآكل ما تبقى من السيادة الاقتصادية، وتحويل الاقتصاد المحلي إلى أداة تخدم صراعات إقليمية.
كما يؤكدون أن هذا الواقع يعرقل أي فرص للتعافي الاقتصادي مستقبلاً، ويقوّض جهود دعم الإنتاج المحلي، ويُبقي السوق رهينة لمراكز نفوذ غير خاضعة للمساءلة.
ويخلص المختصون إلى أن وقف هذا العبث بالاقتصاد اليمني يظل مرهونًا بإنهاء سيطرة مليشيا الحوثي على المنافذ، واستعادة الدولة لدورها الرقابي، وتجفيف منابع الاقتصاد غير المشروع الذي تستخدمه الجماعة لتغذية نفوذها وربط السوق اليمنية بالاقتصاد الإيراني.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news