الجنوب اليمني:خاص
في وقت يتصاعد فيه التوتر السياسي بين السعودية والإمارات، تتضح بصورة أكبر ملامح انتقال الخلاف من ساحات الصراع الإقليمي، وفي مقدمتها اليمن، إلى المجال الاقتصادي، في تطور يعكس عمق التباينات الاستراتيجية بين البلدين، رغم ما يجمعهما من شراكات ومصالح طويلة الأمد.
وتشير خلفية هذا التوتر إلى الملف اليمني بوصفه نقطة الانطلاق الأساسية. فمنذ تدخل التحالف، برز اختلاف واضح في أولويات الرياض وأبوظبي. فالسعودية ركزت على البعد الحدودي والأمني ومنع تشكل تهديد مباشر على أراضيها، فيما اتجهت الإمارات إلى بناء نفوذ محلي عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية، خصوصا في جنوب اليمن والمناطق الساحلية، وهو ما أوجد مسارين متوازيين داخل التحالف نفسه.
ومع تعقّد المشهد، تحولت مناطق الشرق اليمني، وفي مقدمتها حضرموت والمهرة، إلى ساحات اختبار حقيقية لهذا التباين. ففي حضرموت، عززت السعودية حضورها الأمني باعتبار المحافظة عمقا استراتيجيا يربطها بالبحر العربي ويؤمن حدودها الشرقية، بينما بدا الدور الإماراتي أكثر انكفاء مقارنة بسنوات سابقة. أما في المهرة، فقد ظهر الخلاف بشكل أكثر وضوحا، إذ تعاملت الرياض مع المحافظة باعتبارها جزءا من أمنها القومي ومشاريعها المستقبلية المرتبطة بالموانئ وخطوط النقل، في مقابل تحفظ إماراتي على هذا التمدد.
إعلان الإمارات انهاء وجودها العسكري في اليمن لم يكن نهاية للخلاف، بل مثّل نقطة تحول. فخروج أبوظبي من المشهد الميداني والعسكري المباشر أعاد توزيع النفوذ، وفتح الباب أمام تنافس غير معلن حول ملفات ما بعد الحرب، بما في ذلك إعادة الإعمار، وإدارة الموانئ، وخطوط التجارة والطاقة، وهي ملفات ذات بعد اقتصادي يتجاوز اليمن إلى الإقليم.
هذا المسار يفسر انتقال التوتر إلى المجال الاقتصادي. فبحسب تقارير اقتصادية حديثة، من بينها تقرير نشرته بلومبرغ مؤخرا، فإن الاقتصاد الخليجي يمر بمرحلة اختبار حساسة قد تؤثر على مسارات التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل تداخل السياسة مع الاقتصاد. وأشارت التقارير إلى أن شركات كبرى في السعودية والإمارات بدأت بمراجعة خطط إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال، تحسبا لأي قيود أو تغييرات تنظيمية محتملة ناتجة عن التوترات السياسية.
وتبرز الأرقام حجم التشابك الاقتصادي الذي يجعل من التصعيد خيارا مكلفا. إذ تقدر الاستثمارات الإماراتية في السعودية بما يتراوح بين 30 و45 مليار دولار، تشمل قطاعات العقار والطاقة والخدمات واللوجستيات، فيما تتراوح الاستثمارات السعودية في الإمارات بين 6 و8 مليارات دولار، موزعة على قطاعات المال والتجارة والعقار. هذه الأرقام تعكس اعتمادا متبادلا يصعب تفكيكه دون كلفة عالية على الطرفين.
وتشهد العلاقة الاقتصادية تحولا منذ عام 2021، مع تبني السعودية سياسات تهدف إلى توجيه نشاط الشركات متعددة الجنسيات نحو الرياض، وإلزامها بنقل مقارها الإقليمية، إلى جانب إلغاء بعض التفضيلات الجمركية للبضائع القادمة من المناطق الحرة في الإمارات. ورغم الطابع الاقتصادي لهذه الإجراءات، يرى مراقبون أنها تحمل أبعادا سياسية، وتُقرأ في سياق التنافس الإقليمي الذي بدأ في اليمن وانتقل إلى أدوات أكثر هدوءا وتأثيرا.
ورغم تصاعد هذا التنافس، يؤكد خبراء أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي ما تزال محكومة بشبكة مصالح معقدة، تجعل من القطيعة الاقتصادية أمرا مستبعدا. فالتداخل الاستثماري، وحجم التبادل التجاري، وطبيعة المشاريع طويلة الأمد، تفرض إدارة دقيقة للخلاف، تقوم على تنظيم المنافسة بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ويرى مراقبون أن الكشف في هذا المسار الخلاف السعودي الإماراتي لم يعد محصورا في الجغرافيا اليمنية، بل دخل مرحلة أوسع، انتقل فيها من ساحات النفوذ العسكري في حضرموت والمهرة والملف اليمني إلى ساحة الاقتصاد والتشريعات والاستثمار. وهو انتقال يؤكد أن الصراعات في المنطقة لا تنتهي بانسحاب القوات، بل تعيد إنتاج نفسها بأدوات مختلفة، أقل ضجيجا، لكنها أعمق أثرا على المدى البعيد.
مرتبط
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news