يثير التوجه الدولي نحو إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) تساؤلات عميقة بشأن مستقبل مدينة الحديدة وساحل تهامة، وانعكاسات القرار المرتقب على موازين القوى السياسية والعسكرية في واحدة من أكثر الجبهات حساسية في اليمن، وسط مؤشرات متزايدة على تحولات إقليمية ودولية قد تعيد تشكيل المشهد برمّته مع مطلع أبريل المقبل.
ويتجه مجلس الأمن الدولي، اليوم الثلاثاء، إلى اتخاذ قرار مفصلي في مسار التعاطي الأممي مع الملف اليمني، عبر التصويت على مشروع قرار يقضي بإنهاء ولاية بعثة «أونمها»، في خطوة تعكس تراجع القناعة الدولية بجدوى الصيغة الحالية للبعثة بعد سنوات من التعثر والانتقادات.
تمديد تقني قصير… ثم انسحاب كامل
وينص مشروع القرار، الذي أعدّته بريطانيا وأُدرج بصيغته النهائية «باللون الأزرق»، على تمديد تقني محدود لمدة شهرين فقط، تنتهي في 31 مارس المقبل، تمهيدًا لبدء التصفية الكاملة والانسحاب الفعلي للبعثة اعتبارًا من الأول من أبريل (نيسان). وبحسب المسودة، سيجري تقليص الوجود الميداني تدريجيًا خلال فترة التمديد، مع نقل ما تبقى من المهام إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن.
ويأتي هذا التوجه في ظل انتقادات حكومية يمنية متصاعدة لأداء البعثة، واعتراف دولي غير معلن بأن «أونمها» فشلت في مواكبة تعقيدات الواقعين الميداني والسياسي، أو في فرض رقابة فعّالة على تنفيذ اتفاق ستوكهولم.
اتفاق ستوكهولم تحت المجهر الدولي
ويرى محللون سياسيون وعسكريون أن إنهاء مهمة «أونمها» لا يمكن اختزاله في كونه قرارًا إداريًا أو ماليًا، بل يندرج ضمن مراجعة دولية أوسع لاتفاق ستوكهولم، الذي فشل عمليًا في تحقيق أهدافه، وتحول – وفق توصيفهم – إلى مظلة سياسية مكّنت مليشيا الحوثي من ترسيخ سيطرتها على موانئ الحديدة الثلاثة (الحديدة، الصليف، رأس عيسى)، دون التزام حقيقي ببنود الاتفاق أو رقابة أممية مؤثرة.
فراغ رقابي واحتمالات عودة التصعيد
ويجمع مراقبون على أن انسحاب البعثة الأممية يرفع الغطاء الدولي عن الحديدة باعتبارها «منطقة محمية باتفاق دولي»، ما يفتح الباب – بدءًا من أبريل – أمام احتمالات التصعيد العسكري، خصوصًا في ظل هشاشة الهدنة الأممية، واستعداد الأطراف لإعادة توظيف القوة متى ما تهيأت الظروف السياسية والإقليمية.
وفي حين يمنح خروج الأمم المتحدة الحوثيين هامش حركة أوسع في إدارة الموانئ من الناحية الواقعية، فإنه يسقط في المقابل إحدى أبرز الذرائع السياسية التي استخدمتها الجماعة لتكريس نفسها كسلطة أمر واقع ذات طابع «إنساني»، لا سيما مع تصاعد الاتهامات باستخدام الموانئ في تهريب السلاح وتهديد أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
الدور الأمريكي: ضبط إيقاع أم إعادة تموضع؟
وفي هذا السياق، يشير محللون إلى أن الموقف الأمريكي يشكل عامل كبح رئيسي لأي اندفاع حوثي نحو توسيع النفوذ على الساحل الغربي، إذ تنظر واشنطن إلى الحديدة بوصفها نقطة تماس مباشرة مع أمن البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية، لا مجرد ملف يمني داخلي.
ويرجح بعضهم أن توظف الولايات المتحدة ملف «أونمها» كورقة ضغط سياسية وربما كمدخل لإعادة ترتيب المشهد العسكري، خصوصًا في حال ثبوت تورط الحوثيين في تهريب السلاح عبر الموانئ، أو إذا ما لجأت الجماعة إلى تصعيد عسكري مرتبط بحسابات إيرانية إقليمية، وهو سيناريو تلمّح إليه وسائل إعلام الجماعة بشكل غير مباشر خلال الفترة الأخيرة.
الشرعية اليمنية أمام اختبار استعادة المبادرة
من زاوية أخرى، يرى محللون أن مرحلة ما بعد انسحاب «أونمها» قد تمثل فرصة سياسية وعسكرية للحكومة الشرعية لإعادة طرح ملف الحديدة على طاولة المجتمع الدولي، تحت عنوان استعادة مؤسسات الدولة وبسط السيادة على الموانئ الاستراتيجية.
غير أن هذا المسار، وفق تقديراتهم، يظل مشروطًا بإعادة ترتيب البيت الداخلي للشرعية، وتوحيد القرار العسكري، ووجود قيادة فاعلة في وزارتي الدفاع والخارجية قادرة على تحويل أي تفويض سياسي محتمل إلى تحرك ميداني منظم، لا إلى مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج.
تفاهمات خلف الكواليس أم إعادة رسم النفوذ؟
في المقابل، لا يستبعد مراقبون أن يكون الانسحاب الأممي جزءًا من ترتيبات أوسع تُدار خلف الكواليس، قد تتقاطع فيها تفاهمات سعودية–حوثية مع رغبة غربية في تحييد الحديدة كورقة تهديد للملاحة الدولية، وتحويلها إلى ملف تفاوضي بدلاً من جبهة صراع مفتوحة.
ويرى محللون أن هذا السيناريو، إن تحقق، لن يكون بدافع منح الحوثيين شرعية مجانية، بقدر ما يعكس مقاربة براغماتية تهدف إلى تقليص المخاطر، شريطة التزام الجماعة بوقف التهريب والابتعاد عن الأجندة الإيرانية، وهو رهان يصفه كثيرون بالمحفوف بالشكوك.
من يملك الحسم العسكري في الحديدة؟
وحول سؤال «من يملك القدرة العسكرية على دخول الحديدة إذا فُتح خيار المواجهة؟»، يتفق محللون عسكريون على أن القوات المشتركة تظل القوة الأكثر جاهزية وانضباطًا وخبرة في مسرح الساحل التهامي.
ويشير هؤلاء إلى أن الحفاظ على تماسك هذه القوات وانتشارها في الساحل الغربي لم يكن صدفة، بل جاء ضمن رؤية بعيدة المدى، تستند إلى خبرة ميدانية مباشرة في جبهة الحديدة، وتفاهمات إقليمية ودولية مرتبطة بتأمين الشريط الساحلي وحماية الملاحة الدولية.
ويخلص المحللون إلى أن أي تحرك عسكري جاد لتغيير المعادلة في الحديدة، إذا ما حظي بغطاء سياسي ودولي، سيمر عبر هذه القوة تحديدًا، بوصفها الأكثر قبولًا دوليًا والأقدر على إدارة معركة شديدة الحساسية جغرافيًا وسياسيًا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news