قال المحلل السعودي في معهد كارنيجي، الدكتور هشام الغنام، إن المملكة العربية السعودية أحرزت "نجاحاً تكتيكياً سريعاً" في اليمن، إلا أنها تواجه تحديات بنيوية عميقة تجعل توحيد الحكومة المعترف بها دولياً مهمة بالغة الصعوبة، مشيراً إلى أن الرياض تسعى حالياً إلى إدارة التوازنات أكثر من تحقيق وحدة كاملة.
وفي حوار مطوّل أجرته معه وكالة الأنباء الفرنسية بشأن التطورات الأخيرة في اليمن، أوضح الغنام أن السعودية أبدت "درجة عالية من الاحتواء" عبر البحث عن صيغ سياسية تستوعب المطالب الجنوبية، مع الحفاظ على كيان الدولة، في إطار استراتيجية تهدف إلى منع التدخلات الخارجية وتقليص مخاطر التفكك.
وأضاف أن معادلة التوحيد تفرض على الرياض موازنة ضرورات متناقضة، تشمل تمكين الجنوبيين بما يكفي لتفادي انتفاضة جديدة للمجلس الانتقالي الجنوبي، دون الوصول إلى مستوى يهدد قابلية الدولة الاتحادية للحياة، إلى جانب الحفاظ على تماسك التحالف الحكومي بما يسمح بالتفاوض الجاد مع الحوثيين من دون إضفاء شرعية على النزعات الانفصالية.
وأشار إلى أن هذه المهمة "شديدة الصعوبة، وربما شبه مستحيلة"، مرجحاً أن تتجه المقاربة السعودية نحو إنشاء آليات تنسيق مؤسسية دائمة ومنع النزاعات، بدلاً من الاعتماد على التفاهمات الشخصية قصيرة الأمد. ولفت إلى أن الهدف الواقعي يتمثل في خلق "حد أدنى من التماسك الوظيفي" يمنع جنوب اليمن من التحول إلى ساحة نفوذ خارجي أو فراغ أمني تستغله جماعات مسلحة.
وفي ما يتعلق بمستقبل الحوثيين، اعتبر الغنام أن الأزمة المتفاقمة في إيران تخلق "ديناميات غير بديهية"، إذ قد تسهّل من جهة المفاوضات السعودية–الحوثية نتيجة تنامي استقلالية الجماعة، لكنها في الوقت ذاته تعقّدها بسبب ازدياد تقلب الحوثيين وعدوانيتهم.
وأوضح أن العلاقة بين طهران والحوثيين تقوم على "توظيف متبادل للمصالح" أكثر من كونها سيطرة مباشرة، مشيراً إلى أن إيران تحتاج إلى خفض التصعيد لدعم مسار مفاوضاتها النووية، فيما تسعى السعودية إلى الاستقرار لإنجاح رؤية 2030.
لكنه حذّر من أن الحوثيين أقل عرضة للضغوط الدولية، وأن خطابهم السياسي يرتكز على استمرار الصراع، ما يجعل أي اتفاق محتمل يتطلب منحهم قدراً من الشرعية والسيطرة السياسية لادعاء النصر، مقابل ضمانات سعودية تتعلق بأمن الحدود ومنع ترسيخ نفوذ إيراني استراتيجي في شبه الجزيرة العربية. ووصف هذا المسار بأنه "دبلوماسي ضيق وطويل النفس" ولا يُتوقع أن يفضي إلى اختراق سريع.
وفي تقييمه لنتائج الحملة الأخيرة التي قادها التحالف بقيادة السعودية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، قال الغنام إنها لم تكن مواجهة عسكرية مباشرة بقدر ما كانت "دفاعاً عن بنية الأمن القومي السعودي". وأضاف أن التحركات الإماراتية في المنطقة تعكس، بحسب وصفه، توجهاً لإعادة تشكيل الدول الضعيفة سياسياً وأمنياً بطرق يصعب عكسها.
وأكد أن التحول في الحسابات الاستراتيجية السعودية "عميق"، مشيراً إلى أن القلق لا يقتصر على اليمن، بل يشمل أيضاً تنامي النشاط الإماراتي في حوض البحر الأحمر، مع أمثلة في السودان والصومال وأرض الصومال وحضرموت، ما تعتبره الرياض عوامل قد تخلق تهديدات جديدة على حدودها الجنوبية.
وختم بالقول إن السعودية تسعى إلى تبني سياسات متوازنة تضمن الأمن الإقليمي وتدعم مشاريعها التنموية، لكن ذلك يصبح أكثر تعقيداً في ظل تعدد الفاعلين الإقليميين وتباين أجنداتهم داخل التحالف.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news