غاز بلحاف حسابات السوق تسقط أسطورة المليارات

     
موقع الجنوب اليمني             عدد المشاهدات : 85 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
غاز بلحاف حسابات السوق تسقط أسطورة المليارات

الجنوب اليمني: كتابات

في هذا المقال، يقدم الكاتب أيوب الحمادي قراءة تحليلية للأرقام المتداولة حول عائدات منشأة بلحاف للغاز المسال، ويفكك الفجوة بين الخطاب المتفائل والواقع المالي، مستندا إلى بيانات وتجربة سابقة، ليخلص إلى أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الثروات الناضبة بقدر ما يكمن في الاستثمار في الإنسان.

يقول الكاتب أن إثارة الإعلامي فتحي بن لزرق لجدل واسع حين تحدث عن أن منشأة بلحاف للغاز المسال ستسدد للحكومة 6 مليارات دولار بعد إعادة التشغيل، مستنداً – كما قال – إلى معلومات رسمية أو شبه رسمية من الحكومة أو مصادرها. هذا الطرح يثير تساؤلات جدية: هل تعتمد الحكومة أرقاماً تُستخرج من الفراغ ومجالس القات، دون فهم حقيقي للبيانات ولا إدراك لواقع التشغيل والإيرادات؟ وهذا ما دفعني إلى كتابة هذا التوضيح، للفصل بين الوهم والواقع.

فقراءة متأنية لبيانات البنك المركزي والتقارير المالية للفترة بين عامي 2009 و2013 تكشف واقعاً مالياً صادماً. فقد صدر اليمن خلال تلك السنوات نحو 1243 تريليون وحدة حرارية من الغاز المسال، وباحتساب متوسط الأسعار العالمية آنذاك البالغ 11 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، تتجاوز قيمة تلك الصادرات 14 مليار دولار تقريباً. ومع ذلك، لم تحصل الخزينة العامة اليمنية من هذا المبلغ الضخم إلا على نحو 787 مليون دولار فقط، أي أن حصة الدولة لم تتجاوز 7% تقريباً، بينما ذهب ما يقارب 93% لصالح شركة “توتال” وشركائها الأجانب تحت مسمى استرداد التكاليف الرأسمالية والتشغيلية. ومنذ أبريل 2015، توقف تصدير الغاز الطبيعي المسال كلياً.

ولو افترضنا – جدلاً وبحسن نية – أن كلام الحكومة صحيح ومجالس القات صارت مراكز معلومات استراتيجية، وأن كامل إنتاج بلحاف من الغاز المسال سيذهب إلى الخزانة اليمنية باعتباره ملكاً خالصاً للدولة، فإن الأرقام تظل أبعد ما تكون عن 6 أو 11 مليار دولار سنوياً. فطاقة المنشأة الإنتاجية تبلغ نحو 6 ملايين و700 ألف طن متري سنوياً، وإذا حوّلنا هذه الكمية إلى وحدات حرارية – مع العلم أن الطن المتري الواحد من الغاز المسال يساوي تقريباً 52 مليون وحدة حرارية بريطانية – فإننا نتحدث عن نحو 348.4 مليار مليون وحدة حرارية سنوياً. القيمة السوقية لهذه الكمية، وفق أسعار الغاز المسال في 2026، تختلف باختلاف السوق، لكن بمتوسط تقديري قدره 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية تكون القيمة الإجمالية في حدود 3.48 مليارات دولار سنوياً اي لم تصل الى ثلاثة مليار ونصف. وإذا ارتفعت الأسعار إلى 15 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، فقد تصل القيمة إلى نحو 5 مليارات و200 مليون دولار، أما إذا انخفض المتوسط إلى 8 دولارات فستهبط القيمة إلى حوالي 2 مليار و700 مليون دولار سنوياً. بمعنى آخر حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، لا توجد أي منطقية في الحديث عن إيرادات سنوية قدرها 6 أو 11 مليار دولار من بلحاف وحدها.

هذا الواقع الرقمي ينسف أي ادعاءات وردية توحي بتدفق مليارات الدولارات إلى خزينة الدولة فور إعادة التشغيل اليوم. فأي استئناف للتصدير، دون تعديل جذري وشامل لبنود العقود المجحفة، لن يكون سوى جولة جديدة من استنزاف الثروة لصالح الشركات الدولية، مع بقاء الفتات فقط لليمنيين. وإذا انتقلنا إلى الوضع الراهن مطلع عام 2026، سنجد أن الحكومة اليمنية تواجه عقبات بنيوية تجعل من إعادة تشغيل منشأة بلحاف أمراً بعيد المنال في المدى المنظور. أولى هذه العقبات هي المعضلة الأمنية المرتبطة بخط أنابيب الغاز الممتد من مأرب إلى شبوة، والذي يمر عبر تضاريس قبلية معقدة ومناطق نفوذ متصارعة، مما يجعل هذا الخط رهينة لأي توتر سياسي أو هجوم تخريبي يمكن أن يوقف العمليات في لحظات.

أما العقبة الثانية فهي التحدي المالي والتقني، إذ تتطلب إعادة تشغيل منشأة بلحاف وصيانتها بعد سنوات طويلة من التوقف ميزانية تقدَّر بما بين نصف مليار ومليار دولار على الأقل، إضافة إلى فترة تأهيل فني لا تقل عن ستة أشهر. وفي ظل خزينة عامة تعاني شبه إفلاس وتعتمد على المنح الخارجية لتغطية رواتب موظفيها، يصبح السؤال البديهي: من أين ستأتي هذه التمويلات الضخمة، وبأي ضمانات، ولصالح من في نهاية المطاف؟ وعلى الصعيد القانوني، يُوصف ما جرى في قطاع الغاز في الأوساط الشعبية والاقتصادية بأنه صفقة وُصفت شعبياً بـ”بيعة سارق”، لما تضمنته من إجحاف في حق الدولة والثروة الوطنية، حيث بيعت الموارد بأسعار لا تعكس قيمتها الحقيقية ولا مصالح الأجيال المقبلة. ورغم وجود مسارات قضائية محتملة، تظل إعادة التفاوض مع عملاق نفطي عالمي مثل “توتال” مهمة قانونية وسياسية شاقة، خصوصاً بعد تضرر الثقة الدولية باليمن عقب إعلان “القوة القاهرة” في عام 2015 وتوقف الإيرادات كلياً.

إن المطالب المنطقية اليوم يجب أن ترتكز على مراجعة شاملة للعقود بما ينسجم مع أسعار السوق العالمية الحالية، وضمان انتقال الملكية الكاملة للمنشأة إلى الدولة، مع المطالبة بتعويضات عن الخسائر السابقة التي تكبّدها الاقتصاد اليمني. فبلحاف اليوم ليست مجرد منشأة غاز، بل رمز لفرص كبرى ضاعت، استفاد منها الخارج أكثر بكثير مما استفاد منها الوطن. من هنا يصبح الدفع باتجاه مسار تفاوضي جديد، لا يقل طموحاً – في رمزيته – عن تجربة “تأميم قناة السويس”، ضرورة وطنية لا ترفاً سياسياً. غير أن هذا المسار يتطلب وقتاً وصبراً وتخطيطاً دقيقاً، بعيداً عن الأوهام والشعارات، مع ضمان توزيع عادل لأي إيرادات مستقبلية بين مختلف مناطق اليمن، حتى لا يتحول الغاز إلى وقود جديد لصراعات الداخل بدلاً من أن يكون رافعة للاستقرار والتنمية.

الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن ثروة اليمن من النفط والغاز، في أفضل الظروف وأكثر السيناريوهات تفاؤلاً، لن ترفد الخزانة العامة بأكثر من 3 إلى 3.5 مليارات دولار سنوياً. هذا الرقم الذي نتصارع حوله، وننقسم، وتُرفع بسببه شعارات الانفصال والفدرلة والتقسيم، هو في الواقع رقم متواضع للغاية إذا ما قورن باحتياجات العصر وموازنات الدول التي تحترم إنسانها وتستثمر في تعليمه وصحته وإبداعه. الفارق الجوهري اليوم ليس بين من يملك النفط والغاز ومن لا يملكه، بل بين من يمتلك “ثروة العقل” ومن يظل أسير “ثروة الجهل”.

ولتوضيح بساطة المعادلة: نحن مجتمع يمني يقترب تعداده من 43 مليون نسمة، وقد يصل إلى 55 مليوناً خلال عقد تقريباً. إذا افترضنا أن نصف هذا المجتمع فقط – أي عشرين مليون يمني – قرر شراء هاتف ذكي متوسط المواصفات بسعر يقارب 300 دولار للجهاز الواحد، فإننا نتحدث عن 6 مليارات دولار تُحوَّل إلى الخارج ثمناً لأجهزة هواتف فقط. هذا يعني ببساطة أن كل ما ننتجه من نفط وغاز لمدة سنتين تقريباً سيذهب لتمويل شهيتنا الاستهلاكية في شراء الهواتف، التي نستخدمها غالباً في الهدار والعيش في عالم افتراضي، أكثر مما نوظفها في إنتاج معرفة أو خلق قيمة مضافة. هنا ينبغي أن نستيقظ من الوهم؛ فكل ثرواتنا المدفونة تحت الأرض لا تكفي لتغطية كلفة استهلاكنا الرقمي الحالي، فضلاً عن حاجاتنا التنموية الحقيقية. نحن نتقاتل على موارد ناضبة لن تغطي حتى فواتير هواتفنا، بينما نتجاهل الثروة الوحيدة المستدامة: “الإنسان”. إذا استمر المجتمع مجتمعاً مستهلكاً، غير منتج، وغير مؤهل علمياً ومهنياً، فسنظل ندور في حلقة مفرغة من الفقر والتبعية، حتى لو تحوّل تراب اليمن إلى ذهب.

مرتبط


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

صحفي عدني يفجر مفاجأة كبرى عن ”الحوار الجنوبي” وتسريب ما لا يتوقعه أحد عن حضرموت!

الخليج اليوم | 786 قراءة 

الرئيس العليمي يصدر قرارًا جديدًا (نص القرار كاملاً)

باب نيوز | 699 قراءة 

تسريبات جديدة تكشف ملامح حكومة الزنداني.. هاشم الأحمر في حقيبة سيادية

الخليج اليوم | 479 قراءة 

تحرّك دولي جديد: مجلس الأمن يوسّع قائمة العقوبات لتشمل شخصيات يمنية بارزة

الخليج اليوم | 462 قراءة 

قيادي في الانتقالي المنحل يوجّه رسالة خفية إلى السعودية

يمن فويس | 444 قراءة 

إعلان لليمنين من السعودية عن تأجيل هذا الأمر

كريتر سكاي | 390 قراءة 

تحقيق أمريكي صادم ودعوة للإنتربول الدولي للقبض على ”عيدروس الزبيدي”

الخليج اليوم | 384 قراءة 

شرط جديد لصرف المرتبات

كريتر سكاي | 353 قراءة 

الرئيس العليمي يصدر قرارًا جديدًا (نص القرار كاملاً)

الخليج اليوم | 343 قراءة 

بشرى نوعية من المستشار فلاح الشهراني… وتحركات كبرى تلوح في الأفق

نيوز لاين | 316 قراءة