لم يعد الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري في اليمن منذ العام 2015 مجرد انتهاكات عابرة في سياق حرب معقدة، بل تحوّلا إلى ملف حقوقي مفتوح يثقل كاهل آلاف الأسر، ويشكّل أحد أكثر وجوه الصراع قسوةً وغموضًا في مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين.
ففي بلدٍ أنهكته الحرب وتفككت فيه مؤسسات العدالة، وجد كثير من المدنيين أنفسهم خارج حماية القانون، مفقودين بلا تهمة، أو محتجزين بلا محاكمة، في سجون رسمية وأخرى غير معلنة.
وعلى امتداد السنوات الماضية، توالت شهادات أهالٍ يبحثون عن أبنائهم، وصحفيين اختفوا فجأة، وناشطين اقتيدوا من منازلهم أو من نقاط تفتيش، دون أوامر قضائية أو إيضاحات قانونية، ومع كل عام يمر، تتراكم الأسئلة أكثر مما تتوفر الإجابات: أين المحتجزون؟ ومن يملك سلطة الإفراج عنهم؟ ولماذا يغيب مصيرهم عن أي مسار قضائي واضح؟
مصادرة الحريات
ولا يعكس هذا الملف انتهاكًا صارخًا للحقوق والحريات الأساسية فقط، بل يكشف أيضًا عن نمط ممنهج في إدارة الأمن والخصومة السياسية، حيث تُستخدم أدوات الاحتجاز والإخفاء كوسيلة للترهيب وكسر الخصوم وإسكات الأصوات المخالفة.
وبين صمت دولي متزايد، وإرهاب حوثي، تبقى هذه القضية واحدة من أخطر التحديات الحقوقية التي تواجه اليمن اليوم، وجراحها ما تزال مفتوحة دون أفق واضح للإنصاف أو العدالة.
ومن منظور حقوقي يُعدّ الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري من أخطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لما ينطوي عليهما من مصادرة مباشرة لحق الفرد في الحرية والأمان، وإنكار كامل لضمانات العدالة، إذ ووفقًا للقانون الدولي، فإن الاحتجاز التعسفي هو كل حرمان من الحرية يتم دون مسوغ قانوني واضح، أو خارج إطار الرقابة القضائية، أو مع انتهاك صريح لإجراءات المحاكمة العادلة.
أما الإخفاء القسري، فيُعرّف بوصفه اعتقال أو احتجاز أشخاص على يد سلطات أو جماعات مسلحة، يعقبه رفض الاعتراف بمصيرهم أو أماكن وجودهم، بما يضعهم خارج حماية القانون.
في السياق اليمني، تتعارض هذه الممارسات بشكل مباشر مع الدستور اليمني الذي يكفل الحرية الشخصية، ويحظر التوقيف أو الاحتجاز إلا بأمر قضائي، كما تتناقض مع التزامات اليمن الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب. ورغم أن مليشيا الحوثيين ليست دولة معترفًا بها، فإن سيطرتها الفعلية على مؤسسات الأمن والقضاء في مناطق واسعة من البلاد تضعها أمام مسؤولية قانونية كاملة بصفتها سلطة أمر واقع.
ولا يمكن تبرير تجاوز هذه القواعد بذرائع الحرب أو الضرورات الأمنية، إذ يؤكد القانون الدولي الإنساني أن حماية المدنيين والالتزام بالمعايير الأساسية للعدالة تبقى واجبة في جميع الظروف. ومن هنا، فإن توصيف هذه الانتهاكات لا يندرج ضمن الجدل السياسي، بل يقع في صميم المساءلة القانونية والحقوقية.
سجون سرية
ومنذ انقلاب المليشيا الحوثية، شهدت مناطق سيطرتها تصاعدًا لافتًا في أنماط الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، لتتحول هذه الممارسات من حوادث متفرقة إلى سياسة ممنهجة ذات طابع منظم، فقد اعتمدت المليشيا على أساليب متعددة، تبدأ بالاعتقال من المنازل أو أماكن العمل، مرورًا بنقاط التفتيش، وصولًا إلى الاستدعاءات الأمنية التي تنتهي غالبًا بالاحتجاز دون توجيه تهم واضحة أو عرض المحتجزين على النيابة.
وتشير تقارير حقوقية محلية ودولية إلى انتشار شبكة من أماكن الاحتجاز، تشمل سجونًا رسمية تخضع للأجهزة الأمنية، وأخرى سرية تُدار بعيدًا عن أي رقابة قضائية أو حقوقية، وفي كثير من الحالات، يُحرم المحتجزون من التواصل مع أسرهم أو محاميهم لفترات طويلة، بينما تُستخدم العزلة القسرية كوسيلة ضغط نفسي وانتزاع اعترافات، بعضها يُبث لاحقًا في وسائل إعلام تابعة للمليشيا.
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل صحفيين، وأكاديميين، وناشطين، ووجهاء اجتماعيين، إضافة إلى مدنيين لا يُعرف عنهم أي نشاط سياسي، ما يؤكد سلوك المليشيا في الاستخدام العقابي للاحتجاز خارج القانون، حيث يعكس هذا النمط المتكرر تحوّل أدوات الأمن إلى وسيلة لإدارة الخلاف السياسي والاجتماعي، لا لحماية السلم العام، وهو ما عمّق مناخ الخوف وكرّس غياب الثقة في أي مسار قضائي داخل تلك المناطق.
ذرائع واهية
ويطرح واقع الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري في مناطق سيطرة الحوثيين سؤالًا جوهريًا حول المسؤولية القانونية لمليشيا تمارس سلطة الأمر الواقع. فرغم كونها مليشيا انقلابية غير شرعية، فإنها تدير مؤسسات أمنية وقضائية، وتفرض قراراتها بقوة السلاح، ما يجعلها، وفق القانون الدولي، مسؤولة عن حماية السكان الواقعين تحت سيطرتها وضمان حقوقهم الأساسية.
وتحاول المليشيا تبرير هذه الممارسات بذرائع متعددة، أبرزها الحفاظ على الأمن، أو مواجهة ما تسميه "العملاء والمرتزقة" والتجسس، غير أن هذه المبررات تصطدم بغياب الإجراءات القانونية السليمة، وانعدام أوامر القبض القضائية، وتعطيل دور النيابة والقضاء المستقل، فالأمن وفق المعايير القانونية، لا يُبنى على الاعتقال المفتوح والاختفاء القسري، بل على سيادة القانون وضمانات العدالة.
الأخطر من ذلك هو أن هذه الانتهاكات تتم في ظل سيطرة شبه كاملة على الجهاز القضائي، مما يحرم الضحايا من أي مسار فعّال للطعن أو الإنصاف. وبدلًا من أن تكون المؤسسات أداة لحماية الحقوق، جرى توظيفها -أو تجاوزها- لتكريس واقع القمع وإدارة الخصومة السياسية بالقوة، وبهذا تتحول مليشيا الحوثيين من طرف في نزاع مسلح إلى سلطة تتحمل تبعات قانونية وأخلاقية مباشرة عن هذه الانتهاكات، التي لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تبريرها بظروف الحرب، بل تظل وصمة ثقيلة في سجل إدارة المناطق الخاضعة لها.
إرهاب شامل
مؤخرا وفي في محافظة ذمار، كشفت منظمة مساواة للحقوق والحريات، في بيان صدر في يناير 2026، عن إخفاء 74 مواطنًا من أبناء المحافظة في معتقلات الحوثيين منذ أكثر من 86 يومًا، دون السماح لأسرهم بمعرفة أماكن احتجازهم أو الاطمئنان على أوضاعهم. وذكرت المنظمة أن هؤلاء اختُطفوا خلال حملات واسعة نفذتها المليشيا في شهري سبتمبر وأكتوبر 2025، طالت أكاديميين وشخصيات سياسية واجتماعية، بينهم مرضى وكبار في السن، ووصفتها بأنها واحدة من أكبر عمليات القمع الجماعي التي شهدتها المحافظة منذ انقلاب الحوثيين.
وفي السياق ذاته، تشير تقارير أخرى إلى أن هذه الممارسات لا تقتصر على محافظة بعينها، بل تمتد عبر معظم المحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيا. ففي أمانة العاصمة، كشف مكتب حقوق الإنسان في وقت سابق أن عدد حالات الاختفاء القسري التي ارتكبتها المليشيا خلال سبع سنوات فقط بلغ 1401 حالة، مشيرًا إلى أن العام 2016 وحده سجل 282 حالة، بنسبة تقارب 20 في المئة من إجمالي الحالات المرصودة، مع تأكيد أن الأرقام الحقيقية مرشحة لأن تكون أعلى بكثير، نتيجة خوف الضحايا وذويهم من الإدلاء بالمعلومات.
أما على المستوى الوطني، فقد وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أكثر من 2406 جرائم إخفاء قسري ارتكبتها المليشيا خلال الفترة من يناير 2017 وحتى منتصف عام 2024، في 17 محافظة يمنية، توزعت هذه الانتهاكات على فئات مجتمعية متعددة، شملت عمالًا، وسياسيين، وتربويين، وأكاديميين، وصحفيين، وطلابًا، ونساءً، وأطفالًا، ولاجئين، وأطباء ومحامين، مما يعكس اتساع دائرة الاستهداف وعدم ارتباطها بتهديد أمني حقيقي بقدر ما ترتبط بإدارة الخوف وإخضاع المجتمع.
وفي تقرير آخر صدر في 30 سبتمبر 2025، أعلنت منظمة إرادة لمناهضة التعذيب والإخفاء القسري توثيق 1969 جريمة إخفاء قسري ارتكبتها مليشيا الحوثي في اليمن، من بينها 203 نساء، وقد عُرض هذا التقرير أمام الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع للأمم المتحدة في جنيف، مرفقًا بعشرات الملفات الموثقة، التي تناولت أيضًا وجود معتقلات سرية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الحوثي، وما يتعرض له المحتجزون من انتهاكات جسدية ونفسية.
قلق وابتزاز
وفي محافظة إب وحدها، وثقت مؤسسة النبلاء للحقوق والتنمية 99 حالة إخفاء قسري خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025، مشيرة إلى أن الكوادر التعليمية كانت الأكثر استهدافًا، حيث سجلت 67 حالة في صفوف المعلمين والتربويين.
وبيّن التقرير أن عمليات الإخفاء تمت عبر مداهمات واقتحامات، أو من خلال استدراج الضحايا بذرائع رسمية وهمية، في ظل تورط مسؤولين محليين ومديري مدارس خاضعين لسيطرة المليشيا.
وتكتسب هذه الانتهاكات بعدًا إضافيًا حين تتقاطع مع مناسبات دولية يفترض أن تعزز حماية الحقوق. ففي الوقت الذي كان العالم يحيي فيه اليوم العالمي للاختفاء القسري في 30 أغسطس 2025، اقتحمت مليشيا الحوثي، في اليوم التالي، مقرين تابعين للأمم المتحدة في صنعاء، واختطفت عشرة موظفين من برنامج الغذاء العالمي ومنظمة اليونيسف، ولا يزال مصيرهم مجهولًا حتى اليوم، وهو ما اعتبره حقوقيون دليلاً إضافيًا على استخفاف المليشيا بالقانون الدولي، وتحديًا صريحًا للمجتمع الدولي.
وتبرر المليشيا، في الغالب، هذه الممارسات بتهم جاهزة تتعلق بالجاسوسية والتخابر، وهي تهم فضفاضة تُستخدم لتبرير اعتقال الخصوم السياسيين، أو المعارضين، أو حتى من لا يدور في فلك المليشيا، غير أن غياب الإجراءات القانونية، وعدم إحالة المحتجزين إلى محاكمات عادلة، يكشف أن هذه الاتهامات ليست سوى غطاء لسياسة قمعية أوسع.
ولا تقتصر معاناة الإخفاء القسري على الضحايا وحدهم، بل تمتد لتصيب أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، فكثير من العائلات تعيش لسنوات في حالة انتظار مرهق، بلا معلومات، وبلا قدرة على المطالبة القانونية، فيما تتعرض بعض الأسر للابتزاز المالي مقابل وعود كاذبة بالكشف عن المصير أو الإفراج، وتتحول هذه المعاناة إلى جرح اجتماعي عميق، يكرس الخوف ويقوض الثقة، ويدفع المجتمع نحو الصمت والعزلة.
بيئة خصبة للانتهاكات
ويظل ملف الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري في اليمن معلقًا في فراغ المساءلة، رغم كثافة التقارير الحقوقية وتكرار الإدانة اللفظية. فعلى مدار سنوات، وثّقت منظمات محلية ودولية مئات الحالات، وقدمتها إلى الأمم المتحدة والآليات المعنية بحقوق الإنسان، غير أن ذلك لم يُترجم إلى خطوات عملية رادعة، في ظل تعقيدات المشهد السياسي وتراجع أولوية الملف اليمني على الأجندة الدولية.
وقد أسهم ضعف الإرادة الدولية، والانقسام داخل مجلس الأمن، وإنهاء عمل فريق الخبراء الدوليين البارزين، في تقليص أدوات الضغط والمحاسبة، مما وفّر بيئة شبه آمنة لاستمرار هذه الانتهاكات دون خوف من العقاب.
وفي الداخل، يقف الضحايا أمام واقع مسدود، حيث تغيب سلطة قضائية مستقلة قادرة على التحقيق أو الإنصاف، وتُغلق كل السبل القانونية تقريبًا في مناطق سيطرة الحوثيين.
ومع ذلك، لا يزال الأمل معقودًا على توثيق الجرائم وحفظ الأدلة بوصفه خطوة أساسية نحو العدالة المؤجلة، فالإخفاء القسري جريمة مستمرة لا تنتهي إلا بكشف مصير الضحية، ولا تسقط قانونيًا بمرور الزمن، كما أن أي تسوية سياسية مستقبلية ستظل منقوصة ما لم تتضمن مسارًا واضحًا للمساءلة والعدالة الانتقالية وجبر الضرر.
وبين صمت دولي متردد، وصبر ضحايا لا ينفد، يبقى هذا الملف شاهدًا على أن السلام الحقيقي لا يُبنى بتجاوز الحقوق، بل بمواجهتها وإنصاف أصحابها
الحوثيون والاحتجاز التعسفي.. أداة لترهيب المجتمع وكسر لإرادة المعارضين
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news