من يملك مفاتيح الاقتصاد في اليمن؟ .. قراءة تحليلية في تشكّل السلطة الفعلية خارج الدولة

المنتصف نت             عدد المشاهدات : 184 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
من يملك مفاتيح الاقتصاد في اليمن؟ .. قراءة تحليلية في تشكّل السلطة الفعلية خارج الدولة

من يملك مفاتيح الاقتصاد في اليمن؟ .. قراءة تحليلية في تشكّل السلطة الفعلية خارج الدولة

قبل 15 دقيقة

حين تتحول السيطرة الاقتصادية إلى نمط حكم

في الدول المستقرة، تُمارَس السلطة عبر مؤسسات قانونية واضحة، وتُدار الموارد ضمن أطر موازنية مُعلنة. أما في سياقات النزاع الممتد، كما في اليمن، فإن السلطة لا تُختزل في الاعتراف السياسي أو السيطرة الإدارية، بل يُعاد تشكيلها عبر التحكم في الموارد، وإدارة التدفقات المالية، وتنظيم الوصول إلى السوق.

في هذا السياق، لم يعد السؤال المركزي: من يحكم اليمن؟

بل: من يملك القدرة على التحكم في الشروط الاقتصادية اليومية التي تحدد إمكانات العيش، والتجارة، والتنقل، والاستمرار؟

هذا التحول من السلطة الرسمية إلى السلطة الاقتصادية الفعلية يمثل إحدى السمات البنيوية لاقتصاد الحرب في اليمن، حيث لم يؤدِّ تراجع الدولة إلى فراغ سلطوي، بل إلى نشوء أنماط حكم بديلة، تستند إلى الجباية، والتحكم في الموارد، وإدارة الندرة بوصفها أداة للضبط.

أولًا: الاقتصاد كحقل للسلطة لا كنشاط محايد

لم يعد الاقتصاد في اليمن مجالًا تقنيًا لتنظيم الإنتاج والتبادل، بل أصبح ساحة مركزية لإعادة توزيع النفوذ. فالضرائب، والجمارك، والرسوم، وآليات الاستيراد، وسعر الصرف، لم تعد أدوات سياسات عامة، بل وسائل تُمارَس عبرها قوى الأمر الواقع سلطتها.

في هذا الإطار، تتحول الجباية من وظيفة مالية تهدف إلى تمويل الإنفاق العام، إلى أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالدفع لم يعد مرتبطًا بالحصول على خدمة عامة، بل بات شرطًا لممارسة النشاط الاقتصادي ذاته، وهكذا تنتقل العلاقة من كونها التزامًا قانونيًا إلى امتثال اقتصادي قسري تفرضه موازين القوة.

ثانيًا: تشكّل السلطة الاقتصادية في بيئة الانقسام

لا تُمارَس السلطة الاقتصادية في اليمن عبر مركز واحد، بل تتشكل ضمن بيئة انقسام حاد، من خلال فاعلين يسيطرون على نقاط مفصلية في الدورة الاقتصادية، مثل المنافذ، والعملة، والوقود، والجبايات المحلية. ولا تتطلب هذه السيطرة إحكام القبضة على الجغرافيا بقدر ما تتطلب التحكم في نقاط الاختلال داخل الاقتصاد.

لا يقوم اقتصاد الحرب على الانهيار، بل على استقرار مشوَّه يضمن تدفقًا ماليًا كافيًا لاستمرار السيطرة. ومن ثمّ، فإن اضطراب الأسواق أو تذبذب سعر الصرف لا يعكس بالضرورة ضعف السلطة، بل أحيانًا قدرتها على إدارة عدم الاستقرار بوصفه موردًا للنفوذ.

ثالثًا: الجباية بوصفها ممارسة حكم يومي

أحد أخطر تحولات اقتصاد الحرب في اليمن يتمثل في انتقال الجباية من أداة سيادية إلى ممارسة حكم يومي. فالتحصيل المالي لم يعد مرتبطًا بموازنة أو خطة إنفاق، بل بقدرة الجهة القائمة عليه على فرض الامتثال والحفاظ على السيطرة.

في هذا النمط، لا تهدف الجباية إلى تعظيم الإيرادات بقدر ما تهدف إلى تثبيت النفوذ. فالتعدد، وعدم الانتظام، والغموض في الرسوم ليست دائمًا نتيجة ضعف إداري، بل تعبير عن منطق حكم يقوم على إدارة عدم اليقين بوصفه أداة للضبط والسيطرة.

رابعًا: تفاوت أنماط السلطة الاقتصادية بين صنعاء وعدن

لا تتجلى السلطة الاقتصادية الفعلية في اليمن بصيغة واحدة، بل تتخذ أنماطًا مختلفة تعكس طبيعة السيطرة السياسية والعسكرية في كل منطقة. ففي مناطق سيطرة صنعاء، تتسم السلطة الاقتصادية بدرجة عالية من المركزية الجبائية، حيث تُدار الموارد، والرسوم، وآليات التحصيل ضمن بنية شبه هرمية، تسمح بإحكام السيطرة على التدفقات المالية وتحويلها إلى أداة حكم مستقرة نسبيًا، رغم محدودية الموارد.

في المقابل، تظهر السلطة الاقتصادية في مناطق سيطرة عدن والمناطق المحررة بصورة متشظية ومتعددة المراكز، حيث تتوزع أدوات الجباية والتحكم الاقتصادي بين فاعلين متداخلين، ما يؤدي إلى غياب مركز مالي واحد قادر على فرض قواعد موحدة. هذا النمط لا ينتج ضعفًا كليًا في السلطة، بل يخلق شكلًا مختلفًا من الحكم الاقتصادي، يقوم على التفاوض المستمر، وتوازنات القوة، وتعدد قنوات التحصيل.

هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف البنية السياسية، بل يوضح كيف يُعاد إنتاج اقتصاد الحرب وفق السياق المحلي، وكيف تتحول السيطرة الاقتصادية – سواء كانت مركزية أو موزعة – إلى بديل عملي عن مؤسسات الدولة الغائبة.

خامسًا: مفارقة ترسيخ اقتصاد الحرب

تكمن المفارقة الأساسية في اقتصاد الحرب اليمني في أن كل تحسّن في كفاءة السيطرة الاقتصادية خارج إطار الدولة يؤدي عمليًا إلى تقليص فرص استعادة الدولة لاحقًا. فكلما ترسخت أنماط الجباية غير المؤسسية، وتكيّف المجتمع معها، ارتفعت كلفة الانتقال إلى نظام اقتصادي منضبط وأكثر شمولًا.

وهنا لا يكمن الخطر في استمرار الحرب فحسب، بل في تطبيع اقتصادها وتحوله إلى نمط إدارة مألوف، يصعب تفكيكه حتى بعد توقف القتال.

خاتمة

في اليمن، لا تعمل السلطة الاقتصادية بوصفها انحرافًا مؤقتًا عن الدولة، بل كنمط حكم تشكّل وتكيّف داخل الحرب. وهي سلطة لا تُمارَس عبر النصوص، بل عبر التحكم في الإيرادات، والتدفقات، وشروط الوصول إلى السوق.

غير أن هذه المنظومة، رغم تماسكها الظاهري، ليست عصيّة على التفكيك. فكما تشكّلت عبر الاقتصاد، يمكن أن يبدأ تفكيكها من البوابة ذاتها: بوابة الإيرادات.

ومن هنا، لا يكتمل فهم من يملك مفاتيح الاقتصاد في اليمن دون الانتقال إلى السؤال التالي:

كيف يمكن إعادة انتزاع هذه المفاتيح، وإعادة توظيفها لبناء دولة لا تقوم على الجباية كسلطة، بل على الإيرادات كوظيفة عامة؟

وهو ما ستتناوله المقالة التالية.

 

*باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

مصادر عسكرية تكشف سبب الإنفجار الذي هز العاصمة صنعاء وخلف قتلى من القوة الصاروخية

شبكة اليمن الاخبارية | 1521 قراءة 

السعودية تستعد لبدء عملية عسكرية برية لتحرير اهم محافظة والحوثي يتحرك فوراً لعرقلة تقدم القوات

نافذة اليمن | 1261 قراءة 

الحوثي يعترف بمصرع أبرز قيادته بضربات جوية

نافذة اليمن | 1130 قراءة 

هذا ما يفعله الحوثيون في صعدة بعد الكشف عن استعدادات عسكرية سعودية لعملية برية وبحرية

المشهد اليمني | 1083 قراءة 

انشقاق قيادي بارز يُشعل صنعاء.. الحوثيون يُحاصرون منزل "صانع ثورتهم" بعد إعلان انضمامه لقبائل اليمن

نافذة اليمن | 808 قراءة 

شاهد.. الحوثي يقطع طرق البيضاء والقيادات تفر قبل بدء القوات عملية تحرير اهم محافظة يمنية

نافذة اليمن | 806 قراءة 

أول رد حوثي على إعلان السعودية تشكيل تحالف تحالف بحري دفاعي لحماية أمن البحر الاحمر

المشهد اليمني | 798 قراءة 

حرب كبرى خلال ساعات!

العربي نيوز | 609 قراءة 

الغارديان: السعودية تستعد لهجوم بحري وربما بري ضد الحوثيين

يمن فيوتشر | 585 قراءة 

قيادي يعلن استقالته من المجلس الانتقالي المنحل ويعلن تأييده للوحدة اليمنية

موقع الجنوب اليمني | 456 قراءة