في أعقاب معاينات ميدانية أولية ومواد مصوّرة حديثة، تصاعدت المطالب الحقوقية بفتح مسار تحقيق دولي بشأن مواقع يُشتبه في استخدامها كسجون ومراكز احتجاز غير قانونية في جنوبي اليمن، عقب انسحاب القوات الإماراتية منها. المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان وصف هذه التطورات بأنها مؤشّر خطير يستدعي تحركًا عاجلًا ومستقلًا لكشف الحقيقة وضمان المساءلة.
وقال المرصد، في بيان صحافي، اليوم الخميس، طالعه "المشهد اليمني" إن الأدلة المتداولة، إلى جانب شهادات موثقة لضحايا ومعتقلين سابقين، تشير إلى وجود آثار مادية يُعتقد أنها استُخدمت في ممارسات تعذيب ومعاملة حاطة بالكرامة الإنسانية، بما يتوافق مع نمط انتهاكات سبق الإبلاغ عنه في سياق جرائم الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي.
وأكد أن هذه الشهادات تمثل تطورًا بالغ الأهمية في مسار تحقيق العدالة لمئات الضحايا، مشددًا على ضرورة الحفاظ على الوضع القائم في المواقع المكتشفة وعدم العبث بها، بما يتيح للجان تقصي الحقائق معاينتها فنيًا والتحقق من صحة الادعاءات المرتبطة بوقوع انتهاكات جسيمة، بما فيها التعذيب والاختفاء القسري، وفقًا لمقتضيات القانون الدولي.
ولفت المرصد إلى أن انتقال السيطرة الفعلية على هذه المواقع إلى القوات الحكومية اليمنية يفتح نافذة حقيقية لتفعيل الآليات الدولية المعطلة، إذ لم يعد هناك مبرر ميداني يحول دون وصول الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري إلى تلك المنشآت. ودعا الحكومة اليمنية إلى المبادرة بتسهيل هذه الزيارة وتوفير الضمانات اللازمة، باعتبارها خطوة عملية لتوثيق الانتهاكات المحتملة والتحقيق في طبيعة استخدام هذه المواقع.
وأوضح أن المعاينات الميدانية الأولية كشفت عن وجود ما يُحتمل أنها سجون سرية وغير قانونية في محافظات عدن ولحج والضالع وحضرموت، مشيرًا إلى توثيق بيانات مصوّرة حديثة لعدد من هذه المواقع في منطقة “الضبة” بمدينة المكلا شرقي البلاد. وبحسب البيان، فقد صُممت هذه المواقع بمعايير إنشائية تهدف إلى تعميق معاناة الضحايا والتسبب لهم بمضاعفات جسدية ونفسية طويلة الأمد.
وبيّن المرصد أن التوثيقات أظهرت زنازين انفرادية شُيّدت بمقاييس هندسية خانقة، بعمق يقارب 40 سنتيمترًا وعرض نحو 60 سنتيمترًا، تُجبر المحتجز على الوقوف المستمر وتحرمهم من الجلوس أو النوم، ما يؤدي إلى إنهاك شديد ومضاعفات صحية خطيرة. كما أظهر التوثيق زنازين جماعية صُممت على هيئة حاويات شحن بضائع، طُليت باللون الأسود لامتصاص حرارة الشمس، بما يتسبب بأقصى درجات المعاناة الجسدية والنفسية، في ظروف قد ترقى إلى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المحظورة دوليًا.
وأشار المرصد إلى أن هذه المعاينات تتقاطع مع تقارير حقوقية محلية حديثة، من بينها تقرير “الشبكة اليمنية للحقوق والحريات”، الذي كشف عن خارطة لسجون غير رسمية في جنوبي اليمن. وذكر التقرير سجونًا في محافظة عدن، منها “الدائرة الأمنية”، و“البحث الجنائي”، و“قاعة وضاح”، ومعسكر “المشاريع”، و“اللواء الرابع”، و“معسكر بدر”، و“بئر أحمد”، إضافة إلى سجون في محافظة لحج، مثل “العلم” و“اللواء الخامس”، وسجن “الريان” في محافظة حضرموت.
ونبّه المرصد إلى أن التصميم الهندسي للمواقع المكتشفة يتوافق بدرجة كبيرة مع إفادات سابقة لضحايا نجوا من الإخفاء القسري، إذ وصفوا أماكن احتجازهم بأنها “علب معدنية” شديدة الحرارة وزنازين ضيقة لا تسمح إلا بالوقوف لأيام متواصلة. وأفاد هؤلاء بتعرضهم لأساليب تعذيب متعددة، شملت الصعق بالكهرباء، والتعليق لساعات طويلة، والضرب بكوابل معدنية، والتهديد بالاعتداء الجنسي، والحرمان الكامل من الرعاية الطبية.
وفيما يتعلق بنفي وزارة الدفاع الإماراتية وجود مرافق احتجاز سرية، واعتبارها مجرد ثكنات عسكرية أو غرف عمليات، أكد المرصد أن هذا النفي لا يكفي لتبديد الأدلة القوية التي أظهرتها الوثائق والمواد المصوّرة، خاصة في ظل تقاطعها مع إفادات موثقة سابقًا لضحايا احتجاز غير قانوني وإخفاء قسري في مواقع يكاد يتطابق وصفها الهندسي مع المواقع المكتشفة.
كما أشار المرصد إلى إعلان القوات الحكومية اليمنية ضبط كميات من المتفجرات وأشراك خداعية داخل مطار “الريان” عقب السيطرة عليه، وهي مطابقة لتلك المستخدمة عادة في عمليات الاغتيال. واعتبر أن هذه المضبوطات قد تشير إلى استخدام الموقع المكتشف داخل المطار في تنفيذ وإدارة عمليات تسببت بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ما يستدعي تحقيقًا جنائيًا مستقلًا لفحص هذه الادعاءات.
وشدّد المرصد على أن مجمل المعطيات لا توحي بتجاوزات فردية أو معزولة، بل تشير إلى نمط منظم ومخطط له من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب النفسي والجسدي، داعيًا الحكومة اليمنية إلى العمل على تحديد المواقع الإضافية المحتملة والكشف عن مصير الأشخاص الذين يُعتقد أنهم محتجزون فيها.
وفي ختام بيانه، حثّ المرصد المقررين الخاصين المعنيين بالتعذيب وبحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب على طلب زيارة عاجلة لليمن لمعاينة هذه المواقع، مطالبًا بتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية مستقلة لتحديد جميع الجهات المتورطة في إنشاء وإدارة منظومة السجون ومراكز الاحتجاز غير القانونية، واتخاذ خطوات دولية رادعة تضمن المحاسبة ومنع الإفلات من العقاب، إلى جانب مطالبة الحكومة اليمنية بوضع إطار قانوني شامل لإنصاف الضحايا، وحماية الشهود، وضمان حقهم في العلاج والتعويض ومقاضاة المسؤولين، بما يكفل عدم تكرار هذه الانتهاكات مستقبلاً.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news