في ظل منعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية الخانقة مع انسداد الأفق السياسي، يواجه المواطن اليمني تحديات وجودية تتراوح بين تهاوي الخدمات الأساسية وتآكل القدرة الشرائية، في مشهد مأساوي ممتد منذ عقد ونصف العقد.
وسط هذا الركام، تبرز المنح السعودية المتلاحقة كـ"طوق نجاة" يتجاوز مفهوم الإغاثة التقليدية، لتتحول إلى أداة إستراتيجية لإسناد الدولة وحماية كينونتها، فهذا الدعم المستدام لا يمثل مجرد استجابة لواقع طارئ، بل يشكل ركيزة أساسية في عمق الرؤية السعودية الرامية لتثبيت أركان الشرعية وصون سيادة اليمن.
ومن خلال ضخ هذه الموارد في شريان الاقتصاد اليمني، تبرهن المملكة على التزامها الأخلاقي والسياسي بمنع الانهيار الشامل، عبر تحويل المنح إلى حلول هيكلية تلامس تفاصيل الحياة اليومية، وتعزز مقومات الصمود الوطني في وجه العواصف السياسية، لتظل هذه المبادرات الشاهد الأبرز على تلازم المصير بين الرياض وصنعاء.
عطاء مستدام
وبالحديث عن جذور هذه المساعي والإسهامات المقدمة من المملكة العربية السعودية لشقيقتها اليمن، فقد بدأت تلك الإسهامات منذ وقت مبكر على امتداد العلاقة السعودية اليمنية، ومن أهم ما قدمته المملكة في هذه المسيرة هو في عام 2012، حين قدمت المملكة العربية السعودية إيداعات مباشرة للبنك المركزي اليمني، ساهمت في تثبيت العملة المحلية ودعم استيراد السلع الأساسية، ما شكل حجر الأساس في سياسة الدعم المستدام التي ربطت منذ البداية بين الاستقرار النقدي والتوازن الاقتصادي وبين حماية الدولة ومؤسساتها الشرعية.
ومع تصاعد الأزمة بعد سيطرة المليشيا الحوثية على صنعاء في 21 سبتمبر 2014، واندلاع الحرب بشكل أوسع في مارس 2015، توسعت آليات الدعم لتشمل منحًا اقتصادية مباشرة، ودعمًا للوقود، ومساعدات إنسانية متنوعة ساعدت على الحد من الانهيار المعيشي والخدمي.
وفي أغسطس 2018، أعلن السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر أن المملكة قررت تقديم منحة شهرية بقيمة 60 مليون دولار من المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء على مدار الساعة، بتوجيه مباشر من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، مؤكدة أن هذه الخطوة ليست مجرد دعم مالي، بل وسيلة لتحسين مستوى المعيشة، ورفع المعاناة عن الشعب اليمني نتيجة ممارسات المليشيا الحوثية، والمساهمة في خفض عجز الموازنة وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية وتحريك عجلة الاقتصاد والحد من التضخم، في وقت كان الاقتصاد اليمني والعملة الوطنية على شفا الانهيار.
رؤية البناء المشترك
تواصل الدعم السعودي على مدى السنوات اللاحقة، بما في ذلك منحة الوقود في 11 أغسطس 2021، التي أسهمت في رفع القدرات التوليدية لمحطات الكهرباء بنسبة 40% في محافظات عدن ولحج وأبين، مع تسجيل تحسن ملموس في محافظة حضرموت، حيث انخفضت ساعات الانطفاء من ست ساعات مقابل ثلاث ساعات تشغيل إلى خمس ساعات تشغيل مقابل ثلاث ساعات إطفاء، ما جعل السكان يشعرون بتحسن كبير في الكهرباء ورفق المعاناة اليومية، خاصة في ظل فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة وتأثير الانقطاعات على كبار السن والأطفال والمرضى، إضافة إلى تحسين مخزون الأسر من الأغذية وتعزيز النشاط الاقتصادي والتجاري.
وفي 28 ديسمبر 2024، أعلنت المملكة العربية السعودية عن تقديم دعم اقتصادي جديد لليمن بقيمة 500 مليون دولار، ضمن جهود تعزيز ميزانية الحكومة اليمنية ودعم البنك المركزي، شملت وديعة بقيمة 300 مليون دولار في البنك المركزي اليمني لدعم استقرار العملة وتحسين الوضع النقدي، و200 مليون دولار لمعالجة عجز الموازنة البالغ 1.2 مليار دولار، وذلك عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لدعم الأمن الغذائي وصرف الرواتب وتمويل نفقات التشغيل، بما يعزز قدرة الحكومة على تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي، ويؤسس لمستوى أعلى من الحوكمة والشفافية، ويُسهم في تعزيز قدرة المؤسسات الحكومية وتنمية القطاع الخاص لدفع عجلة النمو الاقتصادي المستدام وخلق فرص للعمل.
منحة الاستقرار الاقتصادي
وفي امتداد هذا المسار الداعم، برزت محطة جديدة من الدعم سبتمبر 2025 حين أعلنت القيادة اليمنية عن حزمة دعم سعودية جديدة بقيمة 1.38 مليار ريال سعودي، أي نحو 368 مليون دولار، قُدّمت عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لدعم استقرار الاقتصاد واستمرار الخدمات الأساسية، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة مع توقف الرواتب وتزايد الضغط على القطاعات الخدمية، حيث خُصص جزء من المنحة لتشغيل مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن، تعزيزًا للخدمات الصحية في العاصمة المؤقتة، فيما أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي شكره العميق للمملكة على هذا الدعم الإستراتيجي الذي ساهم في دفع مسار التعافي الاقتصادي والوفاء بالالتزامات الحكومية. وفي الوقت ذاته، أشار رئيس الوزراء (السابق) سالم بن بريك إلى أن هذه المنحة ستعزز الاقتصاد وتحمي المكاسب السياسية المستقرة، فيما أكدت وزارة الخارجية السعودية أن البرنامج السعودي للتنمية سيشرف على توجيه المنحة للقطاعات الحيوية، بما يضمن استقرار اليمن وتحسين حياة المواطنين، وفق سياسة ثابتة تقوم على الاستدامة والشفافية.
من الإغاثة للتنمية
واستمرارا للدعم السعودي في منح الدفعات النفطية التي أسهمت بشكل مباشر في استقرار قطاع الكهرباء، حيث وصلت الدفعة الثانية من المشتقات النفطية إلى ميناء الزيت في عدن، في ديسمبر من العام 2022 وبقيمة إجمالية بلغت 200 مليون دولار، شملت 40 ألف طن متري من مادة الديزل و30 ألف طن متري من مادة المازوت، لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في المحافظات المحررة، بما انعكس على رفع ساعات التشغيل وتحسين خدمات الكهرباء لما يقارب 9.8 ملايين مواطن، وتقليل العبء المالي عن ميزانية الحكومة وتخفيف استنزاف النقد الأجنبي، مع الإشراف الكامل من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن والجهات الحكومية لضمان وصول الدعم لمستحقيه بشكل شفاف وفعال.
وفي إطار الاستمرار، قدمت السعودية في عام 2026 منحة شاملة بلغت قيمتها 1.9 مليار ريال سعودي، تضمنت تمويل مشاريع ومبادرات تنموية في قطاعات حيوية تشمل الصحة والتعليم والطاقة والمياه والطرق، وهو ما يعكس رؤية تنموية متكاملة تستهدف بناء مؤسسات الدولة وتعزيز صمود المجتمع اليمني، ودعما لجهود الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، مؤكدة أن هذا الدعم ليس موقفًا موسميًا بل جزءًا من إستراتيجية طويلة المدى ترى في استقرار اليمن ضمانًا لاستقرار المنطقة بأسرها.
وتأتي المنحة الأخيرة لتكون امتدادًا طبيعيًا لسلسلة الدعم السعودي المتواصل منذ عقود بما في ذلك الدعم المباشر للميزانية، وصرف الرواتب، وتمويل الأمن الغذائي، وتوفير المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء، وتحسين الخدمات الأساسية، ونقل الاقتصاد من منطق الطوارئ إلى منطق التنمية المستدامة.
البناء قبل العطاء
ويرى مهتمون بالشأن الاقتصادي أن تقديم هذه المنح السعودية لا يأتي على أنه دعم مالي، بل كرسالة أخوية واضحة تحمل أبعادًا سياسية وإستراتيجية، تهدف إلى تمكين الدولة اليمنية من أداء دورها في خدمة المواطنين، وتعزيز قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، وتقوية مؤسسات الدولة في مواجهة الانقلاب، مع إظهار أهمية الشراكة السعودية في صناعة الاستقرار والتنمية، حيث يرى المواطن اليمني في هذه المنح جسور حياة حقيقية تضيء مسار الأمل وتخفف من آثار الانهيار الاقتصادي والخدمي، كما تعكس حرص المملكة على أن يكون دعمها جزءًا من مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة وتعزيز الخدمات العامة وتحسين مستويات المعيشة، من خلال مشاريع ملموسة في التعليم والصحة والمياه والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، بالإضافة إلى برامج تهدف إلى تطوير قدرات الحكومة ورفع مستوى الحوكمة والشفافية.
كما أن سلسلة المنح السعودية، التي تراوحت بين الدعم النقدي المباشر للبنك المركزي، ومنح المشتقات النفطية لتشغيل الكهرباء، وتمويل الميزانية ودعم المشاريع التنموية، تشكل شهادة على دور المملكة المتواصل والداعم للشرعية اليمنية، ومؤشرًا على استدامة الاستثمارات السعودية في الاقتصاد اليمني والبنية التحتية والخدمات الحيوية، بما يخفف من معاناة المواطنين ويمنحهم فرصة لتجاوز آثار الحرب والانقلاب، ويؤكد أن العلاقة بين البلدين تتجاوز حدود الدعم العابر لتصبح شراكة إستراتيجية، حيث يرى المراقبون أن استقرار اليمن واستعادة مؤسسات الدولة على أسس وطنية جامعة لا يمكن تحقيقه إلا بدعم متواصل، منظم، وفاعل، كما تؤكد التجربة الممتدة منذ عقود أن السعودية ليست مجرد مانح، بل شريك أساسي في البناء والتنمية، وحاضنة للاستقرار، ورافعة لجهود الحكومة الشرعية في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
برامج تنموية منظمة
وقد أثبتت هذه المنح، على اختلاف أشكالها ومواعيدها، أن الدعم السعودي يشكل رافعة رئيسية لتعزيز الاقتصاد الوطني، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، وصرف الرواتب، ودعم التعليم والصحة، وتشغيل الكهرباء، وتأمين الأمن الغذائي، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لأهمية التوازن بين الدعم الإنساني والتنمية المستدامة، وإدراكًا أن الاستثمار في الإنسان والمؤسسات هو الطريق الأقصر لبناء يمن مستقر وآمن.
ويشير المراقبون إلى أن هذا المسار الطويل من الدعم السعودي، الممتد عبر سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية، يشكل نموذجًا متقدمًا للشراكة بين الدول، حيث تتكامل المساعدات الإنسانية مع التنمية الاقتصادية والسياسية، بما يضمن وصولها إلى المواطن اليمني ويخفف من التدهور الاجتماعي والاقتصادي، ويثبت أن الاستقرار السياسي والاقتصادي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجهود الأخوية الإستراتيجية التي تبذلها المملكة لتعزيز اليمن واستقراره.
ويشكل التغيير الحاصل اليوم في المشهد اليمني عاملًا حاسمًا في نجاح المشاريع المرتبطة بالمنح السعودية الجديدة، فهو يوفر بيئة أكثر ملاءمة لتفعيل هذه المنح بشكل ملموس وفعّال، فقد بدأت مؤسسات الدولة، بعد سنوات طويلة من الاضطراب والتراجع، تعيد تنظيم نفسها وتطوير آلياتها الإدارية والرقابية، لا سيما بعد حزمة من القرارات الإصلاحية التي اتخذها المجلس الرئاسي، ما يعزز قدرة الحكومة على إدارة الموارد المالية والبشرية بكفاءة أعلى، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه دون إهدار أو تلاعب، كما يعكس هذا التغيير أيضًا تصاعد الوعي بين الفرق التنفيذية في مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية بأهمية الشفافية والمساءلة، بما يتيح للبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن تنسيق المشاريع التنموية والمشتقات النفطية والبنى التحتية بصورة أكثر انتظامًا واستدامة.
كما أسهم التحسن النسبي في الاستقرار الأمني والسياسي في المحافظات المحررة في تسهيل عمليات النقل والتوزيع، خصوصًا للمنح النفطية التي تعتمد على وصول شحنات الوقود إلى محطات الكهرباء والمستشفيات والمدارس، مما يقلل من الانقطاعات ويحسّن جودة الخدمات للمواطنين، كما يتيح هذا الوضع الجديد أيضًا متابعة دقيقة لسير المشاريع التنموية، ويحفز المشاركة المجتمعية والإشراف المحلي لضمان نجاح البرامج.
في المحصلة، يشكل التغيير الحالي قاعدة صلبة لتحويل الدعم السعودي من مجرد مساعدات إلى مشاريع تنموية مستدامة، تعزز الاقتصاد، وتحسن الحياة اليومية، وتكرّس الاستقرار كأرضية لبناء يمن مستقر وآمن.
سيطرة تعيق التنمية
في المقابل، شهدت المناطق الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي تراجعًا ملحوظًا في المساعدات الدولية والإنسانية والخيرية، نتيجة السياسات التي تنتهجها المليشيا والتي تقيد وصول الدعم إلى المستحقين، وتحوّله إلى أداة للسيطرة السياسية والاقتصادية، وهذا فقط في ما يتعلق بما بقي من منظمات إنسانية وإغاثية من مجموع المنظمات والجمعيات التي أغلقت سلطات المليشيا الحوثية مكاتبها، فقد أصبحت شحنات الغذاء والدواء والمساعدات الطارئة خاضعة لآليات رقابية صارمة تفرضها المليشيا، ما أدى إلى تراجع مستوى الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر والجوع، وانهيار قدرات المستشفيات والمراكز الصحية على تلبية احتياجات المرضى.
وأدت هذه السياسات إلى زيادة المعاناة الإنسانية اليومية للسكان، إذ تتحول المساعدات التي يفترض أن تخفف الضغط المعيشي إلى مصدر للابتزاز والتسييس، بينما تتفاقم أزمة الوقود والكهرباء، ويزداد انعدام الأمن الغذائي، كما أضعف تقييد وصول الدعم قدرة المنظمات الدولية والمحلية على تنفيذ مشاريع تنموية أو برامج صحية وتعليمية، ما يوسع الفجوة بين المناطق الخاضعة للشرعية وتلك الواقعة تحت سيطرة المليشيا.
في المحصلة، يظهر بوضوح أن استمرار سياسات الحوثيين في تحويل المساعدات إلى أدوات سياسية ليس فقط يفاقم الأزمات الإنسانية، بل يعوق أي جهود للتنمية والاستقرار، ويجعل نجاح أي مشاريع مستقبلية مرهون بتغيير نهج المليشيا أو تخفيف سيطرتها على الموارد الحيوية للسكان.
رؤية واضحة
وتؤكد المساعدات المتواصلة وضوح الرؤية السعودية الثابتة تجاه اليمن، حيث تتحول المنح الاقتصادية والتنموية إلى أدوات فاعلة لبناء الدولة، وتحريك عجلة الحياة، واستعادة الاستقرار المعيشي، فقد أثبتت التجارب السابقة أن الدعم الممنهج، سواء عبر التمويل المباشر للميزانية، أو توفير المشتقات النفطية لتشغيل الكهرباء، أو تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، قادر على قلب موازين الواقع الاقتصادي وتخفيف معاناة المواطنين، حتى في أصعب الظروف. وفي الوقت نفسه، تكشف تجارب المناطق الخاضعة للحوثيين عن هشاشة أي جهود إنسانية تواجه سياسات الحصار والتحكم، ما يبرز أهمية استقرار الدولة وفعالية المؤسسات الشرعية في إدارة الموارد.
ومع دخول اليمن مرحلة جديدة من التعافي، يمكن القول إن المنح السعودية ليست مجرد مساعدات عابرة، بل استثمار إستراتيجي في الإنسان والمؤسسات، يمهد الطريق نحو تنمية مستدامة، ويضع اليمن على مسار الأمل، والاستقرار، والبناء الدائم.
جسور حياة.. كيف خففت المنح المالية السعودية معاناة اليمنيين؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news