في تاريخ الشعوب، تبرز دائماً شخصيات استثنائية تتجاوز أدوارها الفنية لتصبح "رموزاً وطنية" عابرة للحدود والسياسة وفي اليمن يقف الفنان الراحل محمد مرشد ناجي (المرشدي) كجبلٍ أشم استحق بامتياز لقب "فنان اليمن الأول" لم يكن مجرد مطرب يمتلك صوتاً شجياً بل كان المثقف والمؤرخ والمناضل الذي جعل من الغناء جسراً تعبر عليه القلوب بين صنعاء وعدن والمكلا.
كسر "الحدود" بالنغم
في زمن كانت فيه المسافات بين المدن اليمنية تبدو بعيدة نجح المرشدي في تذويب الفوارق الجغرافية، بذكائه الفني الفطري لم يحصر نفسه في "اللون العدني" الذي نشأ فيه بل ذهب إلى "اللون الصنعاني" وأداه ببراعة أذهلت أهل صنعاء وغاص في "اللون الحضرمي" و"اللحجي" ليصبح صوته هو القاسم المشترك في كل بيت يمني. كان المرشدي يغني للجميع، فشعر الجميع أنه يمثلهم وحدهم.
صوت الثورة ووجدان الأرض
لم يكن فن المرشدي معزولاً عن آلام شعبه؛ فقد كانت حنجرته هي "المدفعية الثقافية" لثورتي سبتمبر وأكتوبر، كلمات أغانيه الوطنية مثل "يا بلادي" و"أخي كبلوني" لم تكن مجرد ألحان بل كانت بيانات ثورية تشعل الحماس في النفوس من جبال ردفان إلى حصون تعز. لقد كان يؤمن بأن الفنان هو "ضمير الأمة" ولذلك ظل صوته نقياً، صادقاً، ومنحازاً للإنسان اليمني البسيط.
الباحث والمجدد: الفن كعلم
ما يميز "أبو علي" عن غيره هو عمقه الثقافي؛ فقد كان باحثاً موسوعياً ألف كتباً مرجعية في تاريخ الأغنية اليمنية وجذورها مثل كتاب "الغناء الزريقي" و"أغانينا الشعبية" كما كان رائداً في "التجديد" حيث أخذ الألحان التراثية القديمة وأعاد صياغتها برؤية عصرية حافظت على أصالتها ومنحتها نفساً جديداً مما جعل الشباب يقبلون على تراثهم بفخر.
المرشدي.. الإرث الذي لا يموت
حين رحل المرشدي، لم يترك خلفه تسجيلات غنائية فحسب، بل ترك "دستوراً فنيًا" في حب اليمن. لقد علمنا أن الفن يمكنه أن يفعل ما تعجز عنه الخطابات؛ يمكنه أن يوحد، ويواسي، ويبني الهوية. اليوم، وكلما صدح صوته بعبارة "يا بلادي"، يشعر اليمني في أي مكان في العالم بأن جذوره لا تزال حية، وأن صوته لا يزال مسموعاً.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news