في كل مرة تدخل فيها إلى مقهى عصري في لندن، باريس، أو نيويورك، وتطلب مشروب "الموكا" فأنت لا تطلب مجرد مزيج من القهوة والشوكولاتة بل أنت تستحضر دون أن تدري اسماً لمدينة يمنية عريقة كانت يوماً ما "بوصلة الكيف" للعالم أجمع، إنها مدينة "المخا" الميناء الذي منح العالم طعم اليقظة ثم طواه النسيان خلف بريق العلامات التجارية العالمية.
المخا السيليكون فالي لعصر النهضة
في القرن الخامس عشر، لم تكن القهوة مجرد مشروب، بل كانت ثورة ثقافية واقتصادية انطلقت من جبال اليمن. كان ميناء المخا (Al-Makha) هو المنفذ الوحيد والأساسي الذي تصدر منه هذه الحبوب العجيبة إلى أصقاع الأرض.
السفن الهولندية، الفرنسية، والبريطانية كانت تتسابق لترسو قبالة سواحل اليمن، لتمتلئ خزائنها بـ "الذهب الأسمر" الذي يحمل ختم الميناء. وبسبب صعوبة نطق الاسم العربي حرفه الأوروبيون إلى "Mocha"، ليصبح هذا الاسم مرادفاً لأجود أنواع البن في التاريخ.
من اسم مدينة إلى "نكهة شوكولاتة"
مع مرور القرون وتوسع زراعة البن في دول أخرى مثل البرازيل وفيتنام بدأ اسم "موكا" ينفصل تدريجياً عن أصله الجغرافي.
ولأن البن اليمني الأصيل يتميز بإيحاءات طبيعية تشبه طعم الشوكولاتة والفاكهة، بدأ العالم يطلق اسم "موكا" على أي مشروب قهوة يضاف إليه الكاكاو.
وهكذا تحول اسم مدينة يمنية تاريخية من "ميناء عالمي" إلى "نكهة مضافة" في قائمة المشروبات السريعة.
المخا اليوم ذاكرة تحت الشمس
بينما يرتشف الملايين "الموكا" في ناطحات السحاب، تقف مدينة المخا اليوم بهدوء على ساحل البحر الأحمر، محتفظة بآثار منارتها القديمة وأرصفتها التي شهدت تحميل أطنان البن إن استعادة اسم "موكا" لمكانه الأصلي ليس مجرد تصحيح لغوي، بل هو استرداد لهوية اقتصادية وحضارية سُرقت من الذاكرة العالمية.
لماذا يجب أن نعرف الحقيقة؟
إن معرفة أن "الموكا" هي "المخا" تعني تقدير كفاح المزارع اليمني الذي لا يزال يزرع البن في مدرجات الجبال الوعرة بنفس الطرق التقليدية منذ ٥٠٠ عام إنها دعوة لتذوق القهوة اليمنية ليس كمنتج تجاري، بل كإرث إنساني بدأ من اليمن وأيقظ العالم بأسره.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news