في تحليل للمركز العربي في واشنطن، تبرز التطورات الأخيرة في اليمن بوصفها تحولاً نوعياً في التوازن الإقليمي بين السعودية والإمارات، مشيراً إلى أن طموحات أبوظبي للسيطرة على مواقع استراتيجية في جنوب اليمن قد انتهت فعلياً، وأن الدور القادم يقع الآن في ملعب الرياض لتحديد سياساتها المستقبلية على الأرض.
ويشير التحليل الذي كتبه الدبلوماسي السابق في السفارة الأمريكية باليمن نبيل خوري، إلى أن الصراع اليمني يمتد على ثلاثة مستويات مترابطة: محلي وإقليمي ودولي، إلا أن التنافس السعودي الإماراتي كان الأبرز في الأحداث الأخيرة، لاسيما خلال الاشتباكات المسلحة التي شهدها جنوب البلاد بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026.
وقد تحوّل هذا التنافس إلى حرب بالوكالة، حيث دعمت السعودية القوات الحكومية والمجلس القيادي الرئاسي المعترف به دولياً، بينما ساندت الإمارات ميليشيات محلية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويشير إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي سيطر في ديسمبر 2025 على محافظتي حضرموت والمهرة المتاخمتين للسعودية، قبل أن تتمكن القوات الحكومية بدعم سعودي من دحره منتصف يناير 2026، ليتم حل فصيله بقيادة عيدروس الزبيدي.
ويرى التقرير الذي ترجمه "يمن شباب نت"، إلى أن هذا الحدث يعد نهاية فعليّة للطموحات الإماراتية في السيطرة على المواقع الاستراتيجية في جنوب اليمن، بما في ذلك مضيق باب المندب وأرخبيل سقطرى، بعد سحب أبوظبي معظم قواتها من البلاد.
كما يشير إلى أن الانسحاب الإماراتي لا يعني بالضرورة فقدان نفوذها بالكامل، إذ قد تواصل أبوظبي التأثير عبر القوات اليمنية التي أنشأتها سابقاً، وهو ما يجعل الدور السعودي محورياً في المرحلة القادمة ليس فقط داخل اليمن، بل أيضاً عبر القرن الأفريقي وخليج عدن وبحر العرب، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية قصوى للسعودية والعالم.
ويحلل الكاتب الأسباب التاريخية للتنافس السعودي الإماراتي في اليمن، ويشير إلى أن الرياض وأبوظبي تدخلتا عام 2015 لوقف تقدم الحوثيين المدعومين إيرانياً وطردهم من صنعاء، لكن الاختلاف في الطموحات كان واضحاً منذ البداية.
فقد دعمت السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وحزب الإصلاح، بينما اتجهت أبوظبي إلى تأسيس ميليشيات محلية لتحقيق مصالحها، مستقدمة مقاتلين من قوات الدعم السريع السودانية وممولة لهم عمليات قتالية في اليمن.
كما يوضح التقرير أن الإمارات دعمت إنشاء لواء العمالقة، الذي أصبح اليوم المسؤول عن الأمن في عدن بعد انسحاب المجلس الانتقالي، إلى جانب تأسيس قوات الحزام الأمني، وقوات النخبة، وقوات المقاومة الوطنية، التي تشرف على مناطق استراتيجية جنوب محافظة الحديدة وميناء المخا على البحر الأحمر، بقيادة طارق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، والمقرب من الإمارات.
وكان معظم الجنود الإماراتيين قد انسحبوا من اليمن عام 2019، تاركين مجموعة من المستشارين والمدربين، فيما أكد التقرير أن إعلان الانسحاب الأخير لا يعني نهاية نفوذ أبوظبي، إذ يمكنها الحفاظ على ولاء القوات اليمنية التي أنشأتها.
ويرى المركز العربي أن سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة شكلت تجاوزاً للخطوط الحمراء السعودية، إذ تمثل هذه المحافظات امتداداً حدودياً بحرية للمملكة، ويمثل التعاون الأمني والاستخباراتي الإماراتي مع إسرائيل تهديداً لتجارة السعودية وحرية ملاحتها. وقد أدت هذه التطورات إلى إعادة تأكيد نفوذ الرياض على الأرض وفرض هيمنتها على الجنوب اليمني.
ويشير التقرير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب من السعودية اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة، سواء من خلال فرض السيطرة الكاملة على الجنوب وإحباط النزعة الانفصالية، أو من خلال تقاسم النفوذ مع الإمارات إذا تم التوصل إلى تفاهم بشأن أهداف الطرفين النهائية.
ويضيف التحليل أن المملكة يمكنها الاستفادة من علاقاتها مع إيران وتحريك رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لإحياء خارطة طريق السلام في اليمن التي دعا إليها المبعوث الأممي هانز غروندبيرغ.
كما يسلط التقرير الضوء على الطموحات الإقليمية الأوسع للإمارات، التي حاولت على مدى العقد الماضي بسط نفوذها من ليبيا إلى القرن الأفريقي، مستفيدة من اتفاقيات أبراهام مع إسرائيل عام 2020.
وقد نتج عن هذه العلاقة اتفاقيات أمنية وتكنولوجية ومناورات بحرية مشتركة، بالإضافة إلى إقامة مواقع عسكرية وموانئ بحرية في سقطرى، وجزر ميون وعبد الكوري بمضيق باب المندب، والقواعد الإماراتية في القرن الأفريقي، ما منح أبوظبي وجوداً أمنياً واستراتيجياً عند مدخل البحر الأحمر وفي بحر العرب.
ويخلص المركز العربي إلى أن الانسحاب الإماراتي من اليمن يعد انتكاسة مؤقتة، لكنه لا يغيّر من استراتيجية أبوظبي العامة ما لم يطرأ تعديل في الموقف الداخلي أو القيادة.
ويضيف التحليل أن الإدارة الأمريكية، رغم محاولاتها تخفيف التوتر، قد تضطر للعب دور أكثر فاعلية إذا ما تدهورت العلاقات السعودية الإماراتية أكثر، بينما يشكل التنافس الحالي درساً واضحاً حول مخاطر التحرك الأحادي وتأثير الطموحات المفرطة على الأمن الجماعي في لحظة حرجة تمر بها المنطقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news