بعد أكثر من عشر سنوات من الصراع في اليمن وتداعياته الشاخصة، يمكن القول إن السلام في هذا البلد لم يعد قضية سياسية، بل أصبح شعارًا فارغًا، نتاجًا لاختلال ميزان القوة، حيث يفرض السلاح منطقه، بينما تتراجع السياسة وتغيب الإرادة الوطنية.
لقد استطاعت المليشيات ترسيخ حضورها كفاعل رئيسي ليس عسكريًا فحسب، وإنما اقتصاديًا وسياسيًا أيضًا، عبر شبكات نفوذ قائمة على اقتصاد الحرب والسيطرة على الموارد، مستفيدة من تفكك الدولة والفراغ الذي خلفه ضعف السلطة.
كما تكشف مسارات التفاوض اليمنية الإقليمية والدولية عن العجز البنيوي للعملية السياسية. إذ تنهار الاتفاقات أمام تضارب المصالح وغياب الإرادة لتنفيذ الالتزامات، ما يؤكد أن السلاح أصبح المحدد الأساسي، فيما تتراجع السياسة إلى دور ثانوي يُستخدم فقط كغطاء شرعي لفرض الأمر الواقع.
الحاصل أن خطورة هذا الواقع تكمن في آثاره الطويلة على استقرار اليمن ووحدته، حيث تقوض هيمنة المليشيات بهذا الشكل كل أفق لبناء دولة مدنية، وتترك المجتمع ممزقًا، مهددًا بأزمات متلاحقة، كما يتحول السلام من استحقاق وطني إلى وعد مؤجل.
بالتالي، لا مناص من تجاوز هذا المأزق إلا بإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والقوة المسلحة، وإقامة مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة ويخضع السلاح للقانون، عبر قيادة سياسية حازمة قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة.
وباختصار، لن يكون السلام في اليمن ممكنًا ما دامت القوى السياسية تفضل إدارة الأزمة بدل معالجتها، وتترك السلاح يحدد مستقبل الدولة والمجتمع. فالدول تُبنى بالإرادة السياسية القادرة على كسر العنف وإعادة الاعتبار للقانون، لا بالهشاشة أو التوازنات الانتهازية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news