في تحول دراماتيكي يُعيد رسم خريطة القوى في جنوب شرق اليمن، أنهت محافظة المهرة شهرًا حافلاً بالتصعيد والاحتجاج ليُكلّل بانتصارٍ شعبي واضح ضد محاولات فرض السيطرة من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي.
وبدلاً من الخضوع لوصاية جديدة، اختارت المهرة أن تُعيد تعريف مستقبلها عبر مشروع محلي أصيل يتمحور حول "قوات درع الوطن" كقوة أمنية وطنية ذات شرعية مجتمعية عميقة.
بدأ المشهد في الأسبوع الأول من يناير 2026، حين اندلعت موجة غضب قبلي وشعبي عارمة بعد تسريب أنباء عن تحركات عسكرية للمجلس الانتقالي — المدعوم إماراتياً — نحو المحافظة.
واعتبرت التحالفات القبلية هذه الخطوة "اجتياحاً"، ورفضت رفضاً قاطعاً أي وجود لمليشيا الانتقالي على أراضيها. وسرعان ما أصدرت قبيلتا "كلشات" و"قمسيط" بياناً استنكاريًا، تبعه أكثر من 18 قبيلة أكدت ولاءها لفخامة رئيس الجمهورية والتحالف العربي، وطالبت بنشر قوات "درع الوطن" وسحب كافة مليشيا الانتقالي فوراً.
وفي الأسبوع الثاني، تحول الغضب إلى فعل ميداني. شهدت ساحة الغيضة اعتصاماً حاشداً ضم آلاف المواطنين الذين رفعوا علم الجمهورية اليمنية، وطالبوا بثلاثة أمور واضحة: نشر قوات "درع الوطن"، رفض بقاء مليشيا الانتقالي، وتحذير من انزلاق الأوضاع إلى فوضى لا تُحمد عقباها.
وتفجّر الغضب أكثر بعد إعلان السلطة المحلية دعمها للانتقالي وإنزال العلم الوطني، ما دفع بموجة احتجاجات أوسع امتدت إلى معظم مديريات المحافظة.
برز في الأسبوع الثالث الشيخ عبود بن هود بن قمصيت كصوت جامع للحراك، حيث حوّل الغضب الشعبي إلى خطاب سياسي متماسك. وعقب طلب فخامة الرئيس رشاد العليمي تدخل المملكة العربية السعودية، وجّه بن قمصيت شكره للملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ولرئيس مجلس القيادة الرئاسي، على دورهم في "إنهاء الغمة" ومواجهة "عنجهية قرارات المجلس الانتقالي".
وأكد أن رفض المهرة لهذا الكيان ليس موقفاً طارئاً، بل "مبدئياً منذ اليوم الأول"، مضيفاً: "الحل لا يكمن في مقام به المجلس الانتقالي"، بل في "وطن كامل متكامل برؤية جديدة".
وبحلول الأسبوع الرابع، انتقلت المهرة من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة البناء. وأعلنت قبائل رئيسية — وعلى رأسها قبيلة "عقيد" — تأييدها الكامل لـ"قوات درع الوطن المهري"، مشيدةً بخطوة "فتح باب التجنيد" التي تُرسّخ هذه القوات كمؤسسة عسكرية محلية راسخة، لا مجرد تشكيل مؤقت. وقد بدأت هذه القوات فعلياً باستلام المعسكرات من مليشيا الانتقالي، بعد مواجهات ميدانية أدت إلى ترحيل عناصر الانتقالي وتسليمهم للسلاح الثقيل والعربات العسكرية .
المشهد الراهن: ولادة فاعل سياسي جديد
اليوم، لم تعد المهرة ساحة صراع بين قوى خارجية، بل أصبحت فاعلاً سياسياً مستقلاً يُصرّ على كتابة مستقبله بيده. وتظهر ثلاث نتائج حاسمة:
فشل شرعية الانتقالي
: فقد المجلس الانتقالي أي قبول شعبي في المهرة، وبات وجوده — إن استمر — مفروضاً وموضع رفض دائم.
صعود المشروع المحلي
: "درع الوطن" لم يعد مجرد قوة أمنية، بل مشروع مجتمعي وسياسي يجمع القبائل تحت مطلب مركزي: "تمكين أبناء المهرة من إدارة شؤون محافظتهم".
تحديات المستقبل
: يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول "درع الوطن" والقبائل الداعمة لها إلى إطار حاكم فعلي؟ وما طبيعة علاقتها مع الشرعية الرئاسية المدعومة سعودياً؟ وهل سيختار الانتقالي التفاوض أم المواجهة؟
في نهاية المطاف، ترسم المهرة مساراً جديداً يجمع بين الحكم الذاتي المحلي العميق والانتماء للوطن اليمني الأوسع، مقدّمةً نموذجاً قد يكون السبيل الوحيد لاستقرار هذه المحافظة الاستراتيجية المطلة على بحر العرب.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news