تبدو الدنمارك اليوم أقرب إلى مملكة هاملت منها إلى دولة واثقة بقرارها؛ عالقة بين ضغط أميركي غير مسبوق على غرينلاند، وصحوة وطنية متسارعة في الجزيرة تُضيّق هامش المناورة وتحول التردّد من تكتيك إلى عبء سياسي، إذ دخل ملف غرينلاند مرحلة توتر غير مسبوقة، مع انتقال الطموح الأميركي من تصريحات استفزازية إلى ضغط سياسي وأمني منظّم، وضع كوبنهاغن أمام أخطر اختبار دبلوماسي لها منذ عقود، وفتح في المقابل نافذة تاريخية أمام الغرينلانديين لإعادة طرح سؤال السيادة والاستقلال بقوة لم تكن معهودة.
ولم يسفر الاجتماع الأخير في واشنطن بين الإدارة الأميركية وممثلي الدنمارك وغرينلاند عن اختراق فعلي، لكنه منح كوبنهاغن ما هو أثمن في هذه المرحلة: الوقت، إذ نجح وزير الخارجية لارس لوكا راسموسن، بالتنسيق مع وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت، في انتزاع هدنة مؤقتة حالت دون مواجهة علنية أو إذلال سياسي مباشر، بحسب ما أجمع المراقبون الدنماركيون اليوم. غير أن المكسب المحدود يكشف حقيقة قاسية: حين يغيب أفق الحل، يصبح التأجيل استراتيجية اضطرارية. فالصراع لم يُحلّ بل أُجِّل، فيما لا تزال الرغبة الأميركية في السيطرة على غرينلاند قائمة، دون تراجع من الرئيس دونالد ترامب.
وتواجه الدنمارك اليوم تهديداً غير مسبوق من حليفها الأكبر، يتراوح بين الإغراء المالي واستخدام القوة، حيث كشفت تصريحات ترامب عن "الطريقة السهلة والطريقة الصعبة" منطقاً إمبراطورياً لا يعترف بالسيادة أو بالقوانين القائمة. وفي هذا السياق، بدت قدرة الردع لدى كوبنهاغن التي تتمتع بقدرات عسكرية محدودة واعتماد تاريخي على المظلّة الأميركية، رمزية أكثر منها فعلية. ويشير إرسال تعزيزات إلى نووك وكانغيرلوسواك، والاستعانة بحلفاء أوروبيين وبالأشقاء الاسكندنافيين، إلى رسالة سياسية بالدرجة الأولى، لا إلى استعداد عملي لمواجهة.
غرينلاند: من ملف تفاوض إلى فاعل سياسي
أما عن التحول الأعمق فقد كان في نووك، حيث لم تعد غرينلاند تقبل أن تكون مجرد ملف تفاوض تديره كوبنهاغن، وعكست المشاركة المباشرة لوزيرة خارجيتها وظهورها كشريك سياسي، تحولاً نوعياً في ميزان القوى. كما أن الأبرز من ذلك تمثل في الخطاب الغرينلاندي الذي بات سيادياً أكثر، وحمل تصريح رئيس الحكومة ينس فريدريك نيلسن بأن "غرينلاند لن تكون ملكاً للولايات المتحدة ولن تُحكم من قبلها"، رسالة مزدوجة: رفض صريح لواشنطن، وتأكيد لكوبنهاغن أن الشرعية السياسية تمرّ عبر نووك لا العاصمة الدنماركية.
اللافت في نووك أن الأحزاب الخمسة في برلمان غرينلاند أظهرت وحدة نادرة، مؤكدة أن الشعب الغرينلاندي "يقف شعباً واحداً". حيث عززت هذه الوحدة الموقف التفاوضي لغرينلاند في مواجهة واشنطن، لكنها في المقابل أضعفت موقع الدنمارك، التي وجدت نفسها عالقة بين رفض غرينلاند للضم الأميركي ورفضها، في الوقت نفسه، احتكار كوبنهاغن للقرار. بهذا المعنى، لم تعد الدنمارك تواجه خصماً خارجياً فقط، بل واقعاً داخلياً جديداً: غرينلاند تطالب بأن تُعامَل كأمة في طور الاستقلال، لا كإقليم تابع، وهو ما يجعل مهمة كوبنهاغن شبه مستحيلة: لا تستطيع التنازل لواشنطن، ولا تستطيع العودة إلى منطق الوصاية القديمة.
الصحوة الوطنية الغرينلاندية: مسار طويل يتسارع
لم يخلق التوتر الحالي الرغبة في الاستقلال، لكنه سرّعها وعمّقها، إذ إن الصحوة الوطنية في غرينلاند ليست ردّة فعل آنية، بل تتويج لمسار طويل بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، مع الحراك الذي سبق إقرار الحكم الذاتي عام 1979، حين بدأ الخطاب العام ينتقل من تحسين شروط العيش داخل المملكة إلى التساؤل عن الهوية وحق تقرير المصير. تعزّز هذا المسار في الثمانينيات مع انسحاب غرينلاند من السوق الأوروبية المشتركة (الاتحاد الأوروبي) عام 1985، في أول ممارسة فعلية للإرادة السياسية المستقلة. أما اللحظة المفصلية فجاءت مع استفتاء عام 2008، حين صوّت 75% من السكان لصالح توسيع الحكم الذاتي، ودخل القرار حيّز التنفيذ عام 2009، مع اعتراف قانوني بأن حق تقرير المصير، بما فيه الاستقلال مستقبلاً، حق مشروع لا طموح عاطفي، وهو ما يمكن تلمسه بين الغرينلانديين اليوم.
خلال العقدين الأخيرين، انتقل الشعور الوطني من إطار ثقافي ولغوي إلى سؤال الدولة والاقتصاد والسيادة. ازداد استخدام اللغة الغرينلاندية في التعليم والإدارة، وتراجع حضور الدنماركية خارج العاصمة نووك. كما باتت الأجيال الشابة تنظر إلى الاستقلال وتتحدث عنه لا كقطيعة عدائية مع الدنمارك، بل كمسار طبيعي لنضوج الأمة. في الوقت نفسه، تصاعد النقد للمنحة المالية الدنماركية السنوية، التي يُنظر إليها بشكل متزايد كرمز للتبعية أكثر منها ضمانة استقرار. ومع كل أزمة تتعلق بالقواعد العسكرية أو الموارد الطبيعية، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: من يملك القرار؟
وبالنسبة لكوبنهاغن، تمثل هذه الصحوة معضلة استراتيجية عميقة، فالدنمارك مطالبة بالدفاع عن وحدة الكومنولث الدنماركي في مواجهة ضغوط أميركية غير مسبوقة، في وقت تتآكل فيه قدرتها على التحدث باسم غرينلاند من الداخل، ولم يعد ممكناً الاكتفاء بإدارة الملفات الخارجية بالنيابة أو الاتكاء على أعراف قديمة، ويعيد مبدأ "لا شيء يخص غرينلاند من دون الغرينلانديين" رسم حدود السلطة داخل المملكة، ويجعل أي تنازل خارجي يبدو، في الداخل، وكأنه خيانة سياسية.
ترامب كمسرّع تاريخي
على نحو مفارق، أدّى ضغط ترامب إلى نتيجة عكسية. فبدل إضعاف الموقف الغرينلاندي، ساهم في توحيد الخطاب السياسي وتسريع النضج الوطني. للمرة الأولى، يُناقَش الاستقلال بوصفه أداة حماية من الأطماع الخارجية، لا مجرد مشروع رمزي بعيد المدى. اليوم، يرى كثير من الغرينلانديين أن البقاء ضمن المملكة الدنماركية لم يعد ضمانة تلقائية للأمن أو الاحترام الدولي، بل مرحلة انتقالية تحتاج إلى إعادة تعريف بشروط أكثر توازناً ووضوحاً.
لا يعني تنامي الشعور الوطني أن الاستقلال وشيك، لكنه يعني أن العودة إلى الوراء باتت شبه مستحيلة، حيث دخلت غرينلاند مرحلة جديدة من الوعي السياسي، تُقاس الشراكات بمدى احترام السيادة والكرامة، لا بحجم الدعم المالي أو الأمني. بالنسبة للدنمارك، لم يعد التحدي مقتصراً على صدّ طموحات ترامب، بل على إعادة صياغة علاقتها مع غرينلاند: من علاقة وصاية متآكلة إلى شراكة سياسية ناضجة، أو مواجهة مسار استقلال بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
وفي المدى المنظور، لا حلّ نهائياً في الأفق. الولايات المتحدة لن تتراجع عن أطماعها، وغرينلاند لن تتراجع عن طموحها السيادي، فيما تحاول الدنمارك إتقان "فن المماطلة" بحثاً عن تسويات إبداعية تحفظ وحدة الكومنولث (الذي يضمهما إلى جانب جزر الفارو)، كخط أحمر يصرح به ساسة كوبنهاغن، لكن المؤكد أن النظام القديم يتداعى. لم تعد الدنمارك قادرة على إدارة السياسة الخارجية وحدها، ولم تعد غرينلاند مستعدة لأن تُدار من دون صوتها. ومع ذوبان الجليد في القطب الشمالي مع ما يستتبعه من سيل لعاب صيني وروسي، يذوب أيضاً وهم السيطرة السهلة. في هذا المشهد المتقلّب، لم يعد السؤال: هل ستتغير مكانة غرينلاند؟ بل: متى؟ وكيف؟ وعلى حساب من؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news