جددت الجمهورية اليمنية تأكيدها أن تحقيق السلام في البلاد لا يزال خياراً ممكناً، لكنه مرهون بوجود شريك جاد ومقاربة دولية أكثر صرامة، تنتقل من سياسة إدارة الصراع واحتواء التهديدات، إلى دعم الدولة اليمنية وتمكينها من إنهاء الانقلاب الحوثي وتداعياته الكارثية.
جاء ذلك في بيان اليمن أمام مجلس الأمن خلال الجلسة المفتوحة حول الحالة في الشرق الأوسط (اليمن)، ألقاه المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي، مؤكداً أن استقرار اليمن لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح مصلحة إقليمية ودولية مشتركة، محذراً من أن أي تهاون في دعم الدولة الشرعية اليوم سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتعميق الأزمة الإنسانية ورفع كلفتها الأمنية والاقتصادية مستقبلاً.
الحوثيون أصل المأساة وتهديد للأمن الإقليمي والدولي
وأكد البيان أن المليشيات الحوثية الإرهابية تمثل العدو الأول للشعب اليمني، والسبب الجوهري لمعاناته المستمرة منذ أكثر من عقد، موضحاً أن انقلابها على التوافق الوطني أدى إلى تدمير مؤسسات الدولة، ونهب مقدراتها، وإغراق البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وأشار إلى أن المليشيات الحوثية حولت اليمن إلى منصة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي عبر استهداف الممرات المائية، وتهريب السلاح، والتخادم مع التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، خدمةً للمشروع الإيراني التوسعي.
وشدد السفير السعدي على أن استمرار اختطاف مؤسسات الدولة وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح لا يهدد اليمن وحده، بل يقوض أسس الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، مؤكداً أن أي مقاربة سلام تتجاهل إنهاء الانقلاب ونزع سلاح المليشيات واستعادة مؤسسات الدولة، لن تفضي إلا إلى مزيد من الفوضى والتطرف والحروب بالوكالة.
الدولة تستعيد قرارها السيادي ووحدة مؤسساتها العسكرية
وقال السعدي إن اليمن يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخه الحديث، حيث بدأت الدولة استعادة زمام قرارها السيادي ووحدة قرارها الأمني والعسكري، بعد سنوات من التشظي واستغلال الفراغ من قبل المليشيات والجماعات المسلحة الخارجة عن القانون.
وأوضح أن الدولة اليمنية أنجزت، خلال الأيام الماضية وبدعم من تحالف دعم الشرعية، عملية وطنية واسعة لاستلام المعسكرات في المحافظات المحررة، من حضرموت والمهرة وصولاً إلى العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات، وفق أعلى المعايير المهنية والقانونية، وبما ينسجم مع قواعد القانون الدولي الإنساني، مع الحرص على حماية المدنيين وصون الممتلكات العامة والخاصة.
وأكد أن هذه الخطوات لم تكن مجرد إجراءات أمنية، بل تمثل تحولاً استراتيجياً لوضع حد لمنطق السلاح المنفلت والتشكيلات العسكرية متعددة الولاءات، التي قوضت الاستقرار وأضعفت ثقة المجتمع الدولي بمؤسسات الدولة.
قرارات سيادية شجاعة لمنع الفوضى وتعزيز الشراكة
وأشار البيان إلى أن مجلس القيادة الرئاسي، برئاسة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، اتخذ قرارات سيادية شجاعة، شملت إعلان حالة الطوارئ وفق الدستور والقانون، وتصحيح مسار الشراكة داخل تحالف دعم الشرعية، بما يضمن وضوح الأدوار ووحدة القيادة واحترام سيادة الجمهورية اليمنية، وبما يخدم هدف إنهاء الانقلاب الحوثي، ومكافحة الإرهاب، وحماية الممرات المائية الدولية.
وأكدت الحكومة اليمنية أن هذه الإجراءات كانت ضرورة وطنية للحفاظ على وحدة مجلس القيادة والحكومة، ومنع انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة كانت ستصب في مصلحة المليشيات الحوثية والتنظيمات الإرهابية، وتهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية.
التزام بحقوق الإنسان ومسار إنساني مستمر
وجدد البيان التزام الحكومة الكامل بحقوق الإنسان وسيادة القانون، مشيراً إلى توجيهات رئاسية بإغلاق جميع مراكز الاحتجاز غير الشرعية، والإفراج عن المحتجزين خارج إطار القانون، وفتح تحقيقات شفافة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا ورعاية أسر الشهداء وعلاج الجرحى، باعتبار العدالة ركيزة أساسية لأي سلام مستدام.
وثمّن السفير السعدي الجهود التي تقودها الأمم المتحدة في ملف الأسرى، مشيداً بالمفاوضات الأخيرة التي استضافتها سلطنة عمان، والتي حققت تقدماً ملموساً، مؤكداً استعداد الحكومة اليمنية لتقديم كافة التسهيلات للإفراج غير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المحتجزين لدى المليشيات الحوثية، وضمان استئناف عملهم دون تهديد أو ابتزاز.
القضية الجنوبية في صدارة الأولويات
وأكد البيان أن القضية الجنوبية العادلة تظل في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، باعتبارها قضية سياسية ووطنية لا يمكن اختزالها أو معالجتها عبر عسكرة الحياة السياسية أو فرض الأمر الواقع بالسلاح.
وأشار إلى أن الدعوة الرئاسية لحوار جنوبي–جنوبي شامل، برعاية المملكة العربية السعودية، فتحت أفقاً سياسياً جاداً لمعالجة القضية معالجة عادلة تستند إلى الإرادة الشعبية، مثمناً الدور الأخوي للمملكة في دعم الشرعية الدستورية وتخفيف المعاناة الإنسانية ورعاية مسار الانتقال السياسي الآمن في اليمن.
رسالة أخيرة إلى المجتمع الدولي
واختتم السفير السعدي كلمته بالتأكيد أن الحكومة اليمنية، رغم تعقيدات المرحلة، تواصل تحمل مسؤولياتها الاقتصادية والمعيشية، وتمضي في الإصلاحات وبرامج التعافي الاقتصادي، معلناً أن مؤسسات الدولة ستباشر عملها من الداخل خلال الأيام المقبلة، تمهيداً لمرحلة من الاستقرار وتحسين الخدمات.
وخاطب مجلس الأمن بالقول إن اليمن، كما الصومال، يسعى لأن يكون عامل استقرار لا مصدر تهديد، داعياً المجتمع الدولي إلى التقاط هذه اللحظة التاريخية ودعم التحولات الجارية لبناء سلام عادل ومستدام تستحقه شعوب المنطقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news