تتكشف يوماً بعد يوم تفاصيل مروّعة من داخل شبكة السجون السرية المنتشرة في العاصمة المؤقتة عدن، حيث يقبع العشرات من أبطال المقاومة الجنوبية والنشطاء السياسيين والشباب الأبرياء خلف جدرانٍ لا تعرفها الخريطة الرسمية ولا تخضع لأي رقابة قضائية أو حقوقية.
وسط اتهامات متزايدة لقيادات أمنية سابقة وحالية—بما فيها شخصيات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي—بإدارة منظومة متكاملة من الإخفاء القسري والتعذيب الممنهج، بل وحتى الموت تحت التعذيب.
مناضلون اختفوا.. ولم يعد أحد يسأل عنهم
لم تشفع سنوات النضال لكل من
ياسر محمد قاسم الكلدي
و
حاتم علي جعيم العولقي
، وهما من أبرز وجوه الحراك الثوري وأبطال معركة تحرير عدن عام 2015.
فبعد أن قاتلا في الخطوط الأمامية ضد الانقلابيين، وُجِدا فجأة خلف قضبانٍ سرية: الكلدي اعتُقل من منزله عام 2017، والعولقي اختُطف عام 2016، ولا يزال مصيرهما مجهولاً حتى اليوم. عائلاتهما تعيش في صمت قاتل، محرومة من أبسط حقوق الزيارة أو حتى معرفة مكان وجود أبنائها.
وفي السياق ذاته، يبرز اسم القيادي في المقاومة
نايف القهبي اليافعي
، الذي دفع ثمن مواقفه السياسية ومعارضته لمشاريع إقليمية مشبوهة. اعتُقل من منزله عام 2017، ونُقل مباشرة إلى أحد السجون السرية التي كانت تدار آنذاك من قبل عناصر مرتبطة بمدير الأمن السابق
شلال شائع
—الشخصية التي تكرر ظهورها في تحقيقات دولية حول هذه الملفات .
قاسم اليافعي: بطل التايكوندو الذي قتلته السياط
ربما تكون قصة
قاسم علي سالم اليافعي
(20 عاماً) الأكثر إيلاماً بين كل القصص. كان هذا الشاب يستعد لتمثيل اليمن في بطولة تايكوندو بالسعودية عام 2016، حين اختطفته "عصابة المقنعين" واقتيد إلى
سجن بيت شلال
، ثم نُقل إلى
قاعة وضاح
—أحد أكثر المراكز شهرةً في ممارسة التعذيب الوحشي.
تشير شهادات ناجين إلى أن قاسم تعرض لشتى أنواع التعذيب على يد الجلاد
عوض الوحش
، التابع للقيادي الأمني
يسران المقطري
، حيث عُلّق من يديه وسُوُطَ حتى تكسرت أضلاعه.
أصيب لاحقاً بالكوليرا بسبب الظروف اللاإنسانية، وطلب "اتصالاً أخيراً" بأهله... لكن طلبه لم يُجب. بدلاً من ذلك، قُتل تحت أقدام الجلادين، وكُفّن ببطانية، واختفت جثته حتى اليوم—ليصبح رمزاً لضحايا التعذيب في عدن.
طلاب ونشطاء.. جريمتهم أنهم طالبوا بحقوقهم
لم يسلم الطلاب من هذه الحملة. فالطالب الجامعي
محمد عبدالرحمن الغفوري
ما زال مفقوداً منذ أغسطس 2016، وتتحدث تسريبات موثوقة عن وفاته تحت التعذيب داخل
قاعة وضاح
—نفس المكان الذي يُعتقد أنه شهد مقتل العشرات. أما والدته، فلا تزال تنتظر عودته من "جامعته"، كأن الزمن توقف منذ ذلك اليوم المشؤوم.
كذلك، فإن ذنب القياديين
أسعد سكينة
و
أبو أسامة السعيدي
كان الخروج في مظاهرات سلمية للمطالبة بالكهرباء والخدمات الأساسية.
لكن "قوات العاصفة"، بقيادة
أوسان العنشلي
، لم ترحمهما، وأودعتهما في سجون سرية تابعة لها—جريمة أدت إلى وفاة والد السعيدي من شدة الألم والحزن على ولده.
أطفال بلا آباء.. وصرخات بلا جواب
في مأساة إنسانية مؤلمة، يقف الطفل
البراء
—ابن المعتقل
البراء أحمد محمد الجفري
—ليصرخ: "
أريد والدي حياً أو ميتاً!
". الطفل الذي لم يرَ والده منذ أن كان رضيعاً، يلخص وجع مئات الأسر التي تعيش معلقة بين رجاء العودة ويأس الفقدان. لا أحد يجيبه، ولا أحد يُجيب عنها.
العالم يتحرك.. فهل يُغلق الملف؟
في تطور حديث ومهم، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي
الدكتور رشاد العليمي
، يوم الإثنين 13 يناير 2026، توجيهاً رسمياً بإغلاق جميع السجون غير القانونية في عدن ولحج والمناطق الجنوبية، بما في ذلك
قاعة وضاح
و
بئر أحمد
وغيرها .
كما رحّبت منظمات حقوقية مثل "سام للحقوق والحريات" بهذا القرار، داعيةً إلى فتح تحقيق قضائي مستقل وشامل .
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news