—-
بندر العنابي كاتب وباحث في العلاقات الدولية
—-
الحديث عن أن اليمن كيان طارئ أو وحدة قسرية يتجاهل تاريخا طويلا تؤكده مصادر يمنية وعربية وأجنبية فاليمن كوحدة سياسية وجغرافية ورد ذكرها بهذا الاسم منذ العصور القديمة في النقوش السبئية والحميرية وهو ما أكده الهمداني في كتاب صفة جزيرة العرب كما أشار نشوان الحميري في شمس العلوم إلى أن اليمن اسم جامع لأقاليم متعددة ضمن كيان واحد
وفي العصور الإسلامية ظلت اليمن وحدة سياسية واحدة في فترات طويلة أبرزها في عهد الدولة الزيادية ثم الدولة الصليحية ثم الدولة الرسولية التي حكمت معظم اليمن من صعدة شمالا حتى حضرموت شرقا وكانت تعز عاصمتها وعدن ميناءها الرئيسي وقد وثق ذلك المؤرخ إسماعيل الأكوع في مؤلفاته حول تاريخ اليمن السياسي كما أكده كتاب العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية
أما حضرموت فقد كانت جزءا من المجال اليمني تاريخيا سياسيا وثقافيا وهو ما أورده الهمداني وابن المجاور وكذلك ما أكده المستشرق روبرت سيرجنت في دراساته عن حضرموت حيث اعتبرها إقليما يمنيا ذا خصوصية اجتماعية لا كيانا منفصلا أما شبوة فهي تاريخيا إحدى مراكز الحضارة اليمنية القديمة عاصمة مملكة حضرموت القديمة ثم جزء من اليمن الإسلامي وهو ما تؤكده النقوش والبحوث الأثرية الحديثة
القول إن اليمن كانت دولتين وأن الوحدة مجرد اتفاقية يتجاهل أن هذا الانقسام كان حالة سياسية حديثة فرضتها ظروف الاستعمار والحرب الباردة ولم يكن حالة تاريخية مستقرة لقرون ثم إن المنطق الذي يطالب بفك الارتباط كلما فشل نظام سياسي منطق يهدم أي دولة حديثة فلو طبقناه لكان على ألمانيا أن تعود للانقسام وعلى إيطاليا أن تتفكك وعلى فيتنام أن تعيد الانفصال وعلى الولايات المتحدة أن تنقسم إلى مستعمراتها الأولى
وإذا فتحنا باب الرجوع إلى ما قبل التواريخ السياسية الحديثة فإن الطرح الانفصالي نفسه يتناقض مع ذاته فالذي يريد العودة إلى ما قبل 1990 وحضرموت تستطيع المطالبة بالعودة إلى ما قبل 1967 والمهرة إلى ما قبل ذلك وعدن إلى وضعها كمدينة دولية وكل محافظة ستبحث في التاريخ عن لحظة تناسب مشروعها وهذا يعني تفكيك اليمن إلى كيانات لا نهاية لها
المشكلة الحقيقية لم تكن يوما في الوحدة بل في غياب الدولة فبعد 1990 لم يتم بناء دولة مؤسسات بل تم احتكار السلطة والثروة من قوى محددة وتحويل الدولة إلى غنيمة وهذا الخطأ لم يتوقف عند نظام بعينه بل تكرر حتى في الكيانات التي رفعت شعار تصحيح المسار فالمجلس الانتقالي الجنوبي نفسه مارس الإقصاء وأعاد إنتاج المركزية لكن بأسماء جديدة وأصبحت الجنوب واقعا تحت سيطرة قوى من الضالع ويافع مع تهميش واضح لحضرموت والمهرة وأبين بل وحتى إقصاء أبناء عدن أنفسهم
الوحدة ليست المشكلة والانفصال ليس الحل المشكلة هي غياب الدولة العادلة دولة القانون والمؤسسات والمواطنة المتساوية وأي مشروع لا يبدأ من هذا الأساس سيعيد إنتاج الفشل ولو تغيرت الشعارات والمسميات
*بندر العنابي*
تعليقات الفيس بوك
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news