تقف اليمن اليوم عند مفترق طرق سياسي حاد، تتشابك فيه الانقسامات الداخلية مع التدخلات الإقليمية المتنافسة، ما يعكس غياب الرؤية الوطنية الجامعة ويضاعف تعقيد المشهد.
فالصراع لم يعد محصورًا في خلافات بين طرفين، بل أصبح صراعًا على النفوذ والسلطة في مناطق مختلفة، ينذر بخطر تفكك البلاد وتقسيم النفوذ وفق مصالح محلية وإقليمية.
تكشف الخلافات الأخيرة بين مكونات “الشرعية” اليمنية في عدن، رغم كونها جزءًا من تحالف واحد، عن عمق وتعقيد أكبر مما يراه المتابع العادي. فالحكومة تواجه صعوبات في فرض سيطرتها على الجنوب وبقية المحافظات، كتعز ومأرب الشماليتين اللتين تعيشان حاليًا وضعًا شبه معزول، حيث يسعى المجلس الانتقالي إلى تعزيز نفوذه في الجنوب وتحقيق استقلال فعلي، بينما يواصل أنصار الله (الحوثيون) فرض سيطرتهم في الشمال.
هذا التشظي ينعكس بلا شك على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل ما يشكله غياب الوعي الوطني كرؤية من خطر وجودي يقوّض أي محاولة لتوحيد القوى والمكونات على مشروع مشترك، ويفسح المجال لملء الفراغ السياسي بالمصالح الفردية والفئوية والإقليمية.
بالتالي، اليمن اليوم أمام ثلاثة مسارات محتملة: الأول استمرار الفوضى وتعميق الانقسامات بما قد يؤدي إلى تفكك البلاد وظهور دويلات صغيرة، والثاني حوار شامل يجمع الأطراف المختلفة على أساس تجاوز حسابات النفوذ الضيقة وتقاسم الحقوق لاستعادة الدولة الموحدة، والثالث تفاقم التدخل الإقليمي الذي يعرقل أي مشروع وطني مستقل ويزيد الصراع تعقيدًا واستدامة.
بوضوح… ليس أمام اليمن خيار سوى إعادة السياسة إلى دورها الفاعل كمصدر للقرارات الوطنية، وليس أداة لإعادة توزيع النفوذ أو خدمة أجندات خارجية. وهذا يتطلب وعيًا وطنيًا حقيقيًا يبدأ من النخب السياسية ويشمل المجتمع المدني بمختلف مكوناته، لإطلاق مشروع وطني جامع قادر على جمع القوى المختلفة حول رؤية واحدة لمستقبل البلاد.
ويمكن القول إن استقرار اليمن مرهون اليوم بقدرته على تجاوز الولاءات الضيقة، وبناء مشروع سياسي شامل يوازن بين المصالح الجزئية ويستعيد اليمن الكبير، بما يمهّد الطريق نحو بناء الدولة الجامعة التي طال انتظارها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news