مأزق الجيوش الكبرى أمام حرب العصابات

 مأزق الجيوش الكبرى أمام حرب العصابات

مأزق الجيوش الكبرى أمام حرب العصابات

قبل 15 دقيقة

لم تعد القوة العسكرية الكاسحة ضمانًا للنصر. فالتجارب الحديثة والقديمة تؤكد أن الجيوش النظامية، مهما بلغت ترساناتها من الطائرات والدبابات والصواريخ، قد تُلحق دمارًا واسعًا وتقتل آلاف الأبرياء، لكنها كثيرًا ما تُهزم أمام خصم صغير متحرك، يختبئ بين تضاريس الأرض وداخل نسيج المجتمع.

والمفارقة أن القوة الغاشمة لا تُنهي الصراع، بل تُغذّيه. فحين تُستهدف المدن والقرى، يتحول المجتمع كله إلى ساحة مواجهة، ويصبح كل بيت خندقًا، وكل شارع ساحة حرب، وعندها تفقد الجيوش النظامية أهم عناصر تفوقها: وضوح الجبهات، وسرعة الحسم، والقدرة على تمييز العدو من المدني.

تدخل الدول الكبرى الحروب وهي تراهن على الحسم الخاطف، مستندة إلى تفوقها الجوي والناري، لكن الجماعات التي تعتمد حرب العصابات لا تسعى إلى السيطرة المباشرة، بل إلى إنهاك الخصم تدريجيًا، واستنزاف موارده، وكسر إرادته السياسية والمعنوية. فهي جماعات بلا قواعد ثابتة ولا خطوط إمداد تقليدية، تتحرك بخفة داخل بيئات اجتماعية حاضنة، ما يجعل استهدافها مهمة شبه مستحيلة.

هذا المشهد ليس جديدًا في التاريخ. فكانت فيتنام المثال الأبرز على سقوط القوة العظمى أمام حرب العصابات؛ إذ امتلكت الولايات المتحدة التفوق العسكري الكاسح، لكنها فشلت في كسر إرادة خصم اندمج في مجتمعه واعتمد الصبر والاستنزاف حتى انهارت الإرادة السياسية الأمريكية. وفي أفغانستان واجه الاتحاد السوفيتي المصير ذاته، حيث تحولت الجبال والقرى إلى مقابر للدبابات، وأُنهك الجيش حتى انسحب مهزومًا. وبعد عقود، وجدت الولايات المتحدة نفسها في المستنقع ذاته، إذ انتهت حربها الطويلة بالانسحاب، تاركة خلفها مثالًا جديدًا على فشل القوة الغاشمة أمام حرب العصابات. واليوم يتجلى هذا النموذج في أوكرانيا، حيث لم يتحقق الحسم السريع الذي راهنت عليه روسيا، بل تحولت الحرب إلى صراع استنزاف طويل، أثبت فيه الطرف الأضعف نسبيًا قدرته على التكيّف واستثمار الدعم الشعبي والدولي لإرباك الخصم.

لقد أسهم تطور وسائل القتال الحديثة في تعميق هذا التحول، فلم تعد الحروب بحاجة إلى جيوش جرارة أو معارك تقليدية واسعة. فالطائرات المسيّرة، والألغام، والعبوات الناسفة، ومدافع الهاون، والقنص، والصواريخ الموجّهة، غيّرت قواعد الاشتباك، وقلّصت الفجوة بين القوي والضعيف، ومكّنت جماعات صغيرة من إلحاق خسائر مؤثرة بآليات ثقيلة وجيوش نظامية متفوقة، وأفقدت التفوق المدرع كثيرًا من فاعليته.

وخلاصة القول إن المشكلة الأساسية التي تواجهها الدول الكبرى ليست في نقص السلاح، بل في سوء تقدير طبيعة الصراع. فحروب اليوم هي حروب إرادة ونَفَس طويل، لا تُحسم بالقوة النارية وحدها. وحين يقاتل الخصم بدافع البقاء، يصبح ميزان القوة التقليدي بلا معنى، ويتحول التفوق العسكري إلى عبء ثقيل. وهكذا، قد تنجح الجيوش الكبرى في القتل والتدمير، لكنها تفشل مرارًا في تحقيق النصر الحاسم؛ إذ أثبتت حروب العصابات قدرتها على تحويل أعظم الجيوش إلى أطراف عالقة في مستنقع استنزاف طويل، حيث لا نصر سريع، ولا نهاية واضحة، بل خسائر متراكمة، وأوهام قوة تتآكل بمرور الوقت.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

سلطان العرادة: التحريض ضد دعم طارق صالح لجرحى مأرب محاولة لشق الصف الوطني

حشد نت | 338 قراءة 

صنعاء: أنباء عن وفاة "ميرا صدام حسين" في المستشفى العسكري واختفاء غامض للشيخ "ابن فدغم"

إيجاز برس | 307 قراءة 

زوج يطلق زوجته امام أطفاله الخمسة لسبب لا يصدق( تفاصيل)

كريتر سكاي | 247 قراءة 

عبداللطيف الزيلعي يقدم هذا المبلغ دعمًا لأسرة الشاب القعقاع

كريتر سكاي | 163 قراءة 

الميسري يتقدم وفداً من القيادات لزيارة قبر الرئيس الراحل هادي

باب نيوز | 163 قراءة 

إحالة أوراقه للمفتي.. (القات) يقود يمني إلى حبل المشنقة في مصر

موقع الأول | 123 قراءة 

رابط مجهول يوقع مذيعة شهيرة في فخ الاحتيال!

الميثاق نيوز | 123 قراءة 

الميسري وقيادات سياسية وعسكرية يزورون قبر الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي

شمسان بوست | 122 قراءة 

بن دغر يعيد نشر وثيقة 2006.. وكاتب يصفها بـ"نبوءة سياسية" مبكرة للفيدرالية في اليمن

عدن الغد | 116 قراءة 

الأوقاف اليمنية تحدد سقف أسعار برامج العمرة بهذا السعر وتتوعد المخالفين

نيوز لاين | 109 قراءة