الجنوب يستعيد ذاته: مرحلة التصالح والتسامح جسر عبور الماضي وبناء المستقبل

الجنوب يستعيد ذاته: مرحلة التصالح والتسامح جسر عبور الماضي وبناء المستقبل

بعد أن أصبح الجنوب بيد أبنائه، لم يعد الحديث عن التصالح والتسامح مجرد أمنية مؤجلة أو شعار عاطفي يُستدعى عند الأزمات، بل تحول إلى مسار وطني عميق تفرضه متطلبات المرحلة وحجم التحديات. إن السيطرة الجنوبية على قرارها السياسي والأمني أعادت للجنوب روحه، وفتحت الباب واسعًا أمام مراجعة شجاعة للماضي بكل ما فيه من أخطاء وصراعات، بهدف طي صفحاته المؤلمة والانطلاق نحو أفق جديد قوامه الوحدة الداخلية والشراكة المجتمعية.

لقد كان الماضي مثقلًا بالخلافات والانقسامات التي أرهقت المجتمع الجنوبي، وأضعفت قضيته العادلة، وسمحت لقوى خارجية بالتدخل والعبث بمصيره. ومع ذلك، لم يكن الجنوب يومًا عاجزًا عن النهوض، بل كان دائمًا قادرًا على استعادة توازنه متى ما امتلك قراره. واليوم، ومع تشكل واقع جديد تُدار فيه الأرض والإرادة بأيدٍ جنوبية، برزت الحاجة الملحة لإغلاق ملفات الماضي بروح مسؤولة، لا بروح انتقامية، وبعقل الدولة لا بعقل الصراع.

إن التصالح والتسامح الجنوبي في هذه المرحلة لا يعني إنكار ما حدث أو القفز على الحقائق، بل يعني الاعتراف المتبادل بالأخطاء، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وتحويل الألم إلى وعي سياسي واجتماعي يحصّن الأجيال القادمة من تكرار المآسي. فالمجتمعات التي لا تتصالح مع ذاتها تبقى أسيرة تاريخها، أما تلك التي تمتلك الشجاعة لتسامح نفسها أولًا، فإنها تفتح الطريق لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.

التحولات التي يشهدها الجنوب اليوم كشفت بوضوح أن قوة أي مشروع وطني لا تقاس فقط بما يملكه من سلاح أو نفوذ، بل بمدى تماسك نسيجه الاجتماعي. ومن هنا، أصبح التصالح والتسامح حجر الزاوية في إعادة بناء الثقة بين أبناء الجنوب، وإعادة الاعتبار لقيم التعايش والاحترام المتبادل، بعيدًا عن ثقافة الإقصاء والتخوين التي أنهكت الجميع.

كما أن هذه المرحلة تمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة الهوية الجنوبية على أسس جامعة، تتسع لكل أبنائها دون استثناء، وتؤكد أن الجنوب ليس ملكًا لفئة أو منطقة أو تيار، بل وطنًا يتسع للجميع. فالدولة التي يحلم بها الجنوبيون لا يمكن أن تقوم على ذاكرة مثقلة بالضغائن، بل على عقد اجتماعي جديد يُنصف الجميع، ويصون الحقوق، ويؤسس لحكم رشيد يقوم على القانون والعدالة.

إن الجنوب وهو يطوي صفحة الماضي، يبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن زمن الصراعات الداخلية قد انتهى، وأن المرحلة القادمة هي مرحلة البناء والتأسيس، لا الهدم والتناحر. مرحلة تُقدّم فيها مصلحة الجنوب فوق كل الاعتبارات، ويُمنح فيها الإنسان الجنوبي حقه في الأمن والكرامة والمشاركة في صنع القرار.

بهذا المعنى، فإن التصالح والتسامح الجنوبي ليسا نهاية لمرحلة فقط، بل بداية لعهد جديد، يُعاد فيه بناء الثقة، وتُرمم فيه الجراح، ويُفتح فيه الطريق أمام مشروع وطني جامع، يستند إلى وحدة الصف، ووعي التجربة، وإرادة شعب قرر أخيرًا أن يصنع مستقبله بيديه، وأن يكتب تاريخه القادم بمداد الحكمة لا بدماء الخلافات.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

سلطان العرادة: التحريض ضد دعم طارق صالح لجرحى مأرب محاولة لشق الصف الوطني

حشد نت | 433 قراءة 

صنعاء: أنباء عن وفاة "ميرا صدام حسين" في المستشفى العسكري واختفاء غامض للشيخ "ابن فدغم"

إيجاز برس | 325 قراءة 

زوج يطلق زوجته امام أطفاله الخمسة لسبب لا يصدق( تفاصيل)

كريتر سكاي | 261 قراءة 

عبداللطيف الزيلعي يقدم هذا المبلغ دعمًا لأسرة الشاب القعقاع

كريتر سكاي | 181 قراءة 

الميسري يتقدم وفداً من القيادات لزيارة قبر الرئيس الراحل هادي

باب نيوز | 174 قراءة 

صدمة في اللحظات الأخيرة بعد اكتشاف إصابة عريس بمرض خبيث قبيل حفل الزفاف بعدن

كريتر سكاي | 143 قراءة 

إحالة أوراقه للمفتي.. (القات) يقود يمني إلى حبل المشنقة في مصر

موقع الأول | 132 قراءة 

بن دغر يعيد نشر وثيقة 2006.. وكاتب يصفها بـ"نبوءة سياسية" مبكرة للفيدرالية في اليمن

عدن الغد | 131 قراءة 

الميسري وقيادات سياسية وعسكرية يزورون قبر الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي

شمسان بوست | 126 قراءة 

الأوقاف اليمنية تحدد سقف أسعار برامج العمرة بهذا السعر وتتوعد المخالفين

نيوز لاين | 118 قراءة