صناعة التاريخ: كيف يحول شعب الجنوب الاعتصام إلى تأسيس دولة؟

     
صوت العاصمة             عدد المشاهدات : 140 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
 صناعة التاريخ: كيف يحول شعب الجنوب الاعتصام إلى تأسيس دولة؟

على بعد لحظاتٍ تاريخيةٍ فاصلة، وعند مفترق طرقٍ يُجسِّده شعب الجنوب من المهرة شرقاً حتى باب المندب غرباً، وبينما يشهد الالتفاف الشعبي الجنوبي تصاعداً غير مسبوق، تتدفق الجماهير من كل فجٍ عميقٍ نحو ساحات الاعتصام المفتوح في عواصم المحافظات، معبِّرةً عن إرادتها الحضارية السلمية، ومطالبةً القائدَ الأعلىَ للقوات المسلحة الجنوبية، الرئيسَ عيدروس الزبيدي، بإعلان قيام دولة الجنوب العربي. إنه المطلبُ التاريخيُّ المشروع، الذي طال انتظاره، ليُشَيِّدَ مرحلةً مفصليةً في مسيرة النضال، ويُحَقِّقَ التحولَ المصيريَّ الذي ضحَّى من أجله شعبنا بآلاف الشهداء والجرحى والأسرى.

لقد مثَّل الاعتصامُ المفتوحُ، الذي تمسَّك به شعب الجنوب عبر محافظاته، منارةً للصمود الأسطوري وأبعاداً سياسيةً عميقةً، جاءت تتويجاً للانتصارات العسكرية الباهرة. وهو الضمانة الدستورية المتجذرة في الشرعية الدولية العليا، والحَقُّ الثابتُ الذي لا يُنازَع، الجوهري في الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية - كحَقِّ تقرير المصير، والمشاركة في بناء المصير، والنهوض بالتنمية المستدامة. لقد تجاوز الاعتصامُ كونه ردَّ فعلٍ إلى كونه فاعلاً تأسيسياً لهوية أمةٍ تواقة للتحرر، وصانعاً لمصيرها، وخلَّاقاً لسرديةٍ وطنيةٍ تَنسفُ روايات الاستبداد وتُعيد كتابة التاريخ.

وما نشهده اليوم من زخمٍ جماهيريٍّ عارمٍ في ساحات الاعتصام، إنما هو تعبيرٌ عن إرادةٍ لا تُقهر وعزيمةٍ تصنع المستحيل، لشعبٍ اختبر مرارة القهر وعانى صنوف الظلم. ولن يقف هذا الحراك عند حدود المطالبة الوجودية، بل سيتعداها إلى بناء المؤسسات الموازية التي تُجسِّدُ الحلم الجنوبي: لجاناً شعبيةً للإدارة الذاتية، وهيئاتٍ تفاوضيةً تعبِّر عن الإرادة النقية، وآلياتٍ لصنع القرار الجماعي. إنه النداءُ الموجه إلى ضمير العالم، لمطالبة المجتمع الدولي والإقليمي باحترام إرادة شعب الجنوب في استعادة دولته الكاملة بحدودها التاريخية قبل عام 1990، ضماناً للأمن والاستقرار الإقليمي.

ويأتي هذا الاعتصام السلمي، بعد عقودٍ من الظلم، تأسيساً عملياً للسيادة الشعبية المباشرة، ووضعاً للمبادئ الدستورية للعهد الجديد، وولادةً لشرعيةٍ جديدةٍ تنبعث من صميم الإرادة الجماعية، لتعلوَ على كل شرعيات الماضي الزائلة. إنه ميلادُ سلطةٍ تأسيسيةٍ تُعلن فجرَ دولةٍ قادمة.

فهذه الاعتصامات تُشكِّلُ منعطفاً تاريخياً حاسماً في المسيرة النضالية، تبدأ بمرحلة تفكيك شرعية النظام الاحتلالي وهزِّ أركانه، عبر كشف تناقضاته وفضح فجور ممارساته. ثم تأتي مرحلة سحب الشرعية تدريجياً عبر العصيان المدني والمقاطعة الشاملة، مع عزل النظام دولياً بكسب التعاطف العالمي مع القضية العادلة، في مسيرةٍ ثابتةٍ نحو الهدف الأسمى: استعادة الدولة وتحقيق الاستقلال التام.

إن الزخم الجماهيري الجارف، الذي لا يُقهَر ولا يُثنَى، هو التعبير الأصدق عن حكمة هذا الشعب وقدرته على قيادة مصيره. إنه يقوده إلى مرحلته الثالثة الحاسمة: لحظة التحول الجذري، حيث تُعلن السيادة الشعبية حقيقةً ماثلةً، وتنبثق لبنات المؤسسات من قلب الاعتصام، ليكون الانتقال التاريخي من الاحتجاج إلى التأسيس، وقيام دولة النظام والقانون، دولة الشرعية الجنوبية الراسخة.

لقد شكَّلت الاعتصامات السلمية في تجارب الأمم منعطفات تاريخية كبرى، من غاندي إلى بولندا وصولاً إلى جنوب أفريقيا. ويستند اعتصامنا إلى مبادئ راسخة: السيادة الشعبية المباشرة، والشرعية الأخلاقية العليا، والبناء الموازي، والتراكم النوعي، والوحدة في التنوع، والإبداع التكتيكي، والثبات المرن.

ورغم التحديات الجسام، يظل الاعتصام مشروعاً تحويلياً شاملاً، يحوِّل الزخم الثوري إلى مؤسسات دائمة، ويعالج إرث الماضي بحكمة، ويترجم التطلعات إلى واقعٍ ملموس.

وهكذا، يصبح الاعتصام أعظم مدرسة سياسية شعبية، يتعلم فيها الشعب ممارسة الديمقراطية بكرامة، وإدارة الاختلاف بحكمة، وبناء المؤسسات من العدم، والتخطيط للمستقبل بثقة.

فالاعتصام السلمي التحويلي هو لحظة المخاض التاريخي العظيم لأمةٍ ذاقت ويلات الظلم. إنها اللحظة التي يتحول فيها "القدر المُحتوم" إلى "مستقبلٍ مختارٍ"، و"الواقع المُفروض" إلى "حلمٍ مُتحقِّق". إنه ليس مجرد هدمٍ لصروح الاحتلال، بل هو ولادةٌ عسيرةٌ لدولةٍ جديدةٍ من رحم المعاناة والصمود، لتكون دولة الجنوب العربي الحرة المستقلة هي الذاكرة الحية والشرعية الأبدية لهذا الشعب الأبيّ الصامد.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

بصورة عاجلة..طارق صالح يوجّه بإزالة هذا الأمر من مطار المخا

نيوز لاين | 1183 قراءة 

وفاة بارشيد بصورة مفاجئة

الخليج اليوم | 911 قراءة 

ثلاث قيادات عسكرية بارزة مرشحة لشغل منصب وزير الدفاع في حكومة الزنداني “الأسماء”

الخليج اليوم | 797 قراءة 

أبناء تعز يقهرون ”عيدروس الزبيدي” بخطوة مدهشة أشعلت مواقع التواصل

المشهد اليمني | 702 قراءة 

الأطباء فحصوا جثة سيف الإسلام القذافي.. وهذا ما توصلوا إليه

الخليج اليوم | 682 قراءة 

تنويه هام صادر عن البنك المركزي اليمني في عدن

نافذة اليمن | 666 قراءة 

صدور قرار تاريخي هو الأول من نوعه

كريتر سكاي | 600 قراءة 

الانتقالي من الرياض: "اقبلونا كما نحن أو اتركونا كما نحن"

كريتر سكاي | 400 قراءة 

مؤشرات انتعاش الريال اليمني تتصاعد والبنك المركزي أمام لحظة حاسمة لإعادة ضبط سعر الصرف

نافذة اليمن | 390 قراءة 

تصريح ناري لرئيس خارجية الانتقالي يحسم فيه الجدل حول (التنازلات)!!

موقع الأول | 372 قراءة