تحليل: لماذا لا تزال اليمن بلا طريق نحو السلام

     
خطوط برس             عدد المشاهدات : 109 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
تحليل: لماذا لا تزال اليمن بلا طريق نحو السلام

يمثّل الاتفاق الأخير بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وجماعة الحوثيين نقطة تحوّل بارزة في الصراع اليمني المستمر منذ عقد من الزمن، حيث أدخل نهجاً جديداً في عملية التفاوض وصنع الصفقات في البلاد. أتاح هذا الاتفاق السريع للأطراف المعنية تحويل اهتمامها بعيداً عن الأزمة اليمنية المزمنة، والتركيز بدلاً من ذلك على صفقات الأعمال خلال زيارة ترامب الإقليمية أو معالجة قضايا أخرى أكثر قابلية للحل مقارنة بالقضية اليمنية التي تبدو عصيّة على التسوية.

وقد جاء هذا الاتفاق أيضًا ضمن الدور الدبلوماسي النشط الذي تلعبه سلطنة عمان في ملف الصراع اليمني. وكانت عمان قد نجحت سابقًا في التوسط من أجل التوصل إلى اتفاق محتمل بين الحوثيين والسعوديين، إلا أن إحراز التقدم تعطل في نهاية المطاف نتيجة انخراط الحوثيين في الحرب الدائرة في غزة.

وساطة عمان حيث فشلت الأمم المتحدة

ساعدت الوساطة العمانية في كسر الجمود الذي وصلت إليه جهود الأمم المتحدة. فمنذ فشل مفاوضات الكويت عام 2016، عجزت الأمم المتحدة عن جمع أطراف النزاع اليمني إلى طاولة المفاوضات. واقتصرت المحاولات اللاحقة على التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق نار جزئية، مثل اتفاق ستوكهولم، أو معالجة قضايا إنسانية واقتصادية محدودة مثل تبادل الأسرى. ومنذ انهيار محادثات الكويت، توقفت الجهود الهادفة إلى التوصل إلى تسوية شاملة للنزاع بالكامل.

وقد استضافت عمان مفاوضي الحوثيين منذ بداية الحرب عام 2015، ما عزز من مكانتها كوسيط رئيسي. وتبقى السلطنة واحدة من الدول العربية القليلة التي حافظت على علاقات متينة مع إيران ـ منذ عهد الشاه وحتى اليوم ـ الأمر الذي منحها قدرة على تقديم دعم حاسم للحوثيين وكسب نفوذ كبير في عملية الوساطة.

وعلى الرغم من أن عمان كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي رفضت الانضمام إلى التحالف الذي قادته السعودية عام 2015، إلا أن هذا الموقف لم يؤدِ إلى تدهور كبير في علاقاتها مع السعودية، رغم التوترات العرضية، خصوصاً مع الاتهامات التي وُجهت إلى عمان بتسهيل تهريب الأسلحة إلى الحوثيين. ومع ذلك، تمكن الطرفان من احتواء هذه التوترات ضمن سياق الصراع اليمني، مع الإبقاء على استقرار العلاقات الثنائية بينهما.

وبالتالي، حافظت عمان على علاقات جيدة مع جميع أطراف النزاع، ما مكنها من لعب دور الوسيط بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية الملازمة لجهود الأمم المتحدة، كاشتراطات الشمولية، وتمثيل المرأة، وملفات حقوق الإنسان. والأهم من ذلك، أن الأمم المتحدة ـ بوصفها منظمة حكومية دولية ـ تتعامل في الأساس مع الدول وتفتقر إلى أدوات الضغط على الفاعلين من غير الدول كجماعة الحوثيين، في حين تملك عمان قدرة فعلية على ممارسة النفوذ على الحوثيين نظراً لعلاقاتها التاريخية المتجذرة معهم.

اليمنيون ينتقدون “خارطة الطريق” بسبب غياب الشفافية والإقصاء

في الواقع، وبوساطة عمانية، اقترب الحوثيون والسعوديون من التوصل إلى اتفاق أطلقت عليه الأمم المتحدة لاحقًا اسم “خارطة الطريق”. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة أيدت هذا الاتفاق، إلا أنها لم تكن جزءًا من عملية التفاوض ذاتها، التي ظلت محصورة في قنوات اتصال مباشرة بين الحوثيين والسعوديين برعاية عمانية حصرية.

لكن جميع الأطراف اليمنية غير الحوثية وجهت انتقادات واسعة لخارطة الطريق لأسباب عدة. أولاً، بسبب غياب الشفافية؛ إذ لم يُنشر أي نص رسمي أو وثيقة للاتفاق، واقتصر تداول المعلومات على تسريبات إعلامية. ثانياً، كانت العملية التفاوضية ذات طابع إقصائي بحت، إذ تم تهميش جميع القوى اليمنية الأخرى باستثناء الحوثيين.

أما ثالثاً، فاستناداً إلى التفاصيل المسرّبة، يتألف الاتفاق من ثلاث مراحل، وتتركز معظم الانتقادات على المرحلة الأولى، حيث يبدو أنها تلبي جميع مطالب الحوثيين دون فرض أي تنازلات مقابلة عليهم. أما في المراحل اللاحقة، والتي يُفترض أن يقدم فيها الحوثيون تنازلات، فستكون فرص الضغط عليهم شبه معدومة. وبالنتيجة، يبدو أن الاتفاق يخدم مصالح الطرفين المتفاوضين فقط: معالجة الاحتياجات الاقتصادية للحوثيين، وضمان المخاوف الأمنية للسعودية، مع تجاهل الأسباب الجذرية للنزاع اليمني.

نهج ترامب لا يصلح في الديناميكيات بين الحوثيين والسعودية

ورغم أن الإقصاء قد نجح في اتفاق ترامب مع الحوثيين ـ إذ كانت واشنطن تهدف حصراً إلى وقف الهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر ـ إلا أن هذا النهج لا يصلح في حالة الديناميكيات المعقدة بين الحوثيين والسعودية، حيث تتسم جذور النزاع بطبيعة أكثر تعقيدًا.

ومع ذلك، لا تزال خارطة الطريق تُطرح كمرجعية لحل النزاع اليمني، رغم الانتقادات الواسعة وقيام الولايات المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) بعد تجدد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر. كما أن إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية جعلت تنفيذ بعض عناصر الخارطة أمراً غير عملي. وتعكس هذه التطورات توجهاً متزايداً لتجاوز التعقيدات الجوهرية للصراع اليمني، والتركيز بدلاً من ذلك على معالجة تداعياته الأمنية الآنية، مع ترك أسبابه العميقة دون معالجة.

ثلاثة تحديات أمام تحقيق السلام في اليمن

توجد ثلاث عقبات رئيسية تجعل تحقيق السلام في اليمن أمراً بعيد المنال:

    1.    تفكك معسكر مناهضي الحوثيين: فدمج جميع المكونات ضمن الحكومة المعترف بها دولياً فشل في تجاوز التناقضات الداخلية، والصراعات الشخصية، والهويات الإقليمية المتنافسة. وقد عمقت الخلافات بين السعودية والإمارات من هذا الانقسام، الأمر الذي شل قدرة الحكومة على العمل بشكل فعّال.

    2.    اختلال ميزان القوى لصالح الحوثيين: إذ بات الحوثيون، بوصفهم جماعة أيديولوجية مغلقة ذات طابع هوياتي، يعملون على بناء دولة وفقاً لعقيدتهم الخاصة، ما يجعلهم غير راغبين في تقاسم السلطة أو تقديم تنازلات للقوى اليمنية الأخرى.

    3.    اختلاف الرؤى حول مستقبل اليمن: فلا يوجد توافق حول الشكل السياسي والإداري للدولة: هل تبقى موحدة، أم تتحول إلى نظام فيدرالي، أم تتجه إلى التقسيم؟ كذلك ينقسم اليمنيون بشأن النظام السياسي نفسه، بين من يدعو إلى نموذج جمهوري ومن يميل إلى نظام ثيوقراطي.

وقد أكدت الإدارة الأميركية بشكل صريح عدم رغبتها في التورط في الحرب اليمنية، وهو ما تجلى في تعليق المساعدات الإنسانية خلال فترة القصف التي استمرت قرابة سبعة أسابيع. أما السعودية، فبعد سبع سنوات من التدخل العسكري، بات واضحاً أن الحرب تحولت إلى مستنقع لا يمكن الانتصار فيه، يستنزف موارد المملكة ويلحق الضرر بسمعتها الدولية.

اليمن بحاجة إلى استراتيجية سياسية واقتصادية شاملة

خلال زيارة الرئيس ترامب إلى الشرق الأوسط، غابت اليمن بشكل لافت عن جدول الأعمال. بل إن طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عقد لقاء مع ترامب خلال زيارته للسعودية قوبل بالتجاهل. بوضوح، يُنظر إلى اليمن كعبء ثقيل لا طائل منه، ما يدفع باتجاه تجنبه. ونتيجة لذلك، يبدو أن أي مبادرات سلام تطرح حالياً تندرج ضمن استراتيجية “احتواء” أو وليس حل، تهدف إلى حصر الصراع محلياً لمنع تداعياته الإقليمية الأوسع، حتى لو كانت تلك الحلول جزئية وقصيرة النظر.

في الحقيقة، تعود جذور الأزمة اليمنية العميقة إلى عقود من السياسات قصيرة النظر والاعتماد المفرط على المقاربات الأمنية. وما يحتاجه اليمن فعلاً هو استراتيجية سياسية واقتصادية شاملة يمكنها تحقيق نتائج أكثر إيجابية واستدامة. غير أن ذلك يتطلب جهوداً طويلة الأمد قائمة على تخطيط استراتيجي مدروس، بدلاً من الاستمرار في السياسات الانفعالية التي لن تؤدي إلى حل جذري. وحتى لو نجحت هذه السياسات المرحلية في احتواء بعض التداعيات الفورية، فإنها ستفشل في النهاية مع تعمّق الأزمة بمرور الوقت.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

وفاة بارشيد بصورة مفاجئة

الخليج اليوم | 952 قراءة 

ثلاث قيادات عسكرية بارزة مرشحة لشغل منصب وزير الدفاع في حكومة الزنداني “الأسماء”

الخليج اليوم | 856 قراءة 

أبناء تعز يقهرون ”عيدروس الزبيدي” بخطوة مدهشة أشعلت مواقع التواصل

المشهد اليمني | 775 قراءة 

الأطباء فحصوا جثة سيف الإسلام القذافي.. وهذا ما توصلوا إليه

الخليج اليوم | 737 قراءة 

صدور قرار تاريخي هو الأول من نوعه

كريتر سكاي | 656 قراءة 

تصريح ناري لرئيس خارجية الانتقالي يحسم فيه الجدل حول (التنازلات)!!

موقع الأول | 453 قراءة 

مؤشرات انتعاش الريال اليمني تتصاعد والبنك المركزي أمام لحظة حاسمة لإعادة ضبط سعر الصرف

نافذة اليمن | 443 قراءة 

الانتقالي من الرياض: "اقبلونا كما نحن أو اتركونا كما نحن"

كريتر سكاي | 430 قراءة 

الكشف عن حقيقة وفاة وزير الدفاع السابق الداعري في الرياض

كريتر سكاي | 401 قراءة 

تصريح جديد للسفير السعودي ال جابر بشأن خطوة تاريخية ماذا تضمن؟

الخليج اليوم | 346 قراءة